الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مضى الكلام في تفسير الفلك، عند قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: 164]. قال أبو إسحاق في هذه السورة: ﴿الْفُلْك﴾ السفن، واحدها: فَلَك، وجمعها: فُلْك، وزعم سيبويه أنها بمنزلة أَسَد، وأُسْد، قياس فَعْل، ألا ترى أنك تقول: قُفْل وأقفال، وجَمَل وأجمال، وكذلك: أَسَد وأُسْد وآسَاد، وفَلَك، وأفلاك وفُلْك في الجمع [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 95. وتبعه النحاس، في "إعراب القرآن" 3/ 186، فقال: "زعم سيبويه".]]. قال أبو علي الفارسي، فيما أصلح عليه: لم نعلم أحدًا قال في واحد الفُلْك: فَلَك، ولكن الواحد: فُلْك، وكُسِّر على فُلْك [[قال أبو عبيدة 2/ 88: "والفلك يقع لفظه على الواحد، والجميع من السفن سواء".]]، وقول سيبويه: إنه بمنزلة أَسَد وأُسْد، يريد: فُعَلا كسر على فُعْل، كما كسر فَعْل عليها [[في كتاب أبي علي: عليه، بدل: عليها.]]، واجتمعا في التكسير على فعل كما اجتمعا في التكسير على أفعال؛ لأنهما يتعاقبان كثيرًا على الشيء الواحد، نحو: البُخل والبخال [[البخال، غير موجودة في كتاب أبي علي.]]، والبَخل، والسُقم والسَقم، والعُجم والعَجم، والعُرب والعَرب، فلما كانا على هذا جاز اجتماعهما على هذا التكسير. ونظير هذا في أن لفظ التكسير جاء على لفظ الواحد قبل أن يُكَسَّر، قولهم: ناقة هَجَّانٌّ، وإبل هَجَّانٌ [[في نسخة (أ)، الأولى هيجان، بالياء، والباقي بدونها كما في نسخة: ب، في المواضع الثلاثة. وفي نسخة (ج): بالياء، في الموضع الأول والثاني .. وفي كتاب أبي علي، بدون الياء في المواضع كلها.]]، ودِرعٌ دِلاص، وأدرعٌ دِلاص، وهجان في الجمع [[هكذا في نسخة (ب)، وفي نسخة (أ)، (ج): الجميع. وفي كتاب أبي علي: "وإنما دلاص، وهجان، في الجمع".]]، على حد ظِرافٍ، وشِرَاقٍ، وليس على حد سنان وضناك [[هاتان الكلمتان غير واضحتين في كتاب أبي علي. الإغفال فيما أغفله الزجاج 2/ 220 أ. وقد ذكر هذه المسألة المبرد، في "المقتضب" 2/ 205. وفي الحاشية: درع دلاص: لينة براقة، والهجان: الإبل البيضاء. قال أبو حيان 7/ 31:"الفلك، واحد وجمع، غالب استعماله جمعاً". ويبين معنى: ظراف وشراق، وسنان وضناك.]]. وأما ﴿الْمَشْحُون﴾ فقال الليث: الشحن مَلوُك السفينةَ وإتمامُك جَهازَها كلَّه [["تهذيب اللغة" 4/ 184 (شحن)، بنصه، وفي كتاب "العين" 3/ 95: شحنت السفينة: ملأتها فهي مشحونة. وجَهازها بالفتح، وجِهاز بالكسر لغة ليست جيدة. "تهذيب اللغة" 6/ 36 (جهز).]]. قال ابن عباس: يريد بالمشحون الذي قد شحن وملئ [[أخرج ابن جرير 19/ 92، بسنده، من طريقين عن ابن عباس " ﴿الْمَشْحُونِ﴾ قال: يعني: المُوقَر". وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 8/ 2891. ولفظه عند الثعلبي 8/ 114 أ "الموقر، والمجهز". وفي سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس "السفينة الموقرة الممتلئة". "غريب القرآن في شعر العرب" 95، والإتقان 125. يراجع الإتقان. وأخرجه الطستي عن ابن عباس، "الدر المنثور" 6/ 311.]]. وقال مجاهد: المشحون: المملوء [["تفسير مجاهد" 2/ 463. ولفظه عند ابن جرير 19/ 92: "المفروغ منه المملوء". وهو كذلك عند ابن أبي حاتم 8/ 2792. وذكره أبو عبيدة 2/ 88، ولم ينسبه. واقتصر عليه ابن قتيبة، في "غريب القرآن" 318.]]. وقال قتادة: المُحَمَّل [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 74. وعنه ابن جرير 19/ 92.]]. وقال مقاتل: المُوقِر من الناس، والطير، والحيوان، كلها من كل صنف ذكر وأنثى [["تفسير مقاتل" 52 ب. الوقِر: الثِقل يُحمل على ظهرٍ أو رأس. يقال: جاء يحمل وِقْره. ويقال: هذه نخلة موقِرة وموقَرة وموقر. "تهذيب اللغة" 9/ 280 (وقر).]]. والفلك هاهنا واحد لا جمع، لذلك قال: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ وعلى ما قال الزجاج: الفُلْك جمع؛ وهو خطأ له هاهنا [[في نسخة (ج): وهو خطأ لا وجه له.]]؛ لأن سفينة نوح كانت واحدة [[وفي وصف الفلك بأنه مشحون إظهار لعظيم النعمة؛ لأن سلامة المملوء جداً أغرب. "نظم الدرر" 14/ 67.]].