الباحث القرآني

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال الليث: المصنعة شبه صهريج عميق يُتخذ للماء، والجمع [[في نسخة (أ)، الجميع. وفي كتاب "العين" 1/ 305 (صنع): وتجمع المصانع.]] المصانع، والمصانع التي يتخذها الناس من الأبنية والآبار. قال لبيد: وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ ... وتبلى الديارُ بعدنا والمصانعُ [[كتاب "العين" 1/ 305 (صنع)، ولم أجد قول الليث في "تهذيب اللغة" 2/ 37 (صنع)، وأما البيت فقد ذكره الأزهري منسوبًا للبيد. وهو مطلع قصيدة يرثي بها أخاه: أربد، وهي في الديوان 88، بلفظ: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع]] وقال أبو عبيدة: كل بناء مَصْنَعة [["مجاز القرآن" 2/ 88.]]. قال الأزهري: وقال بعضهم: هي أحباس تُتَّخذ للماء، كالزلَف، واحدها: مَصْنَعة، ومَصْنَع يحتفرها الناس فيملؤها ماءُ السماء فيشربونها. ويقال للقصور أيضًا: مصانع [["تهذيب اللغة" 2/ 37 (صنع).]]. قال ابن عباس: هي الأبنية [[قال ابن قتيبة: "المصانع: الباء، واحدها مصنعة". "غريب القرآن" 319.]]. وقال مجاهد: قصورًا مشيدة، وبنيانًا مخلدًا [["تفسير مجاهد" 2/ 463. وأخرجه ابن جرير 19/ 95، وابن أبي حاتم 9/ 2794. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 75، بلفظ: قصور، وحصون.]]. وقال الكلبي: مصانع: منازل [["تنوير المقباس" 311. وذكر الهواري 3/ 234، عن الكلبي، أن المراد: القصور. وذكر البغوي 6/ 123، عنه: الحصون.]]. وقال مقاتل: يعني القصور [["تفسير مقاتل" 53 أ، وفيه: "يعني: القصور ليُذكروا بها، هذا منزل بني فلان، وبني فلان". واقتصر في الوجيز 2/ 793، على أن المراد بالمصانع: المباني والقصور.]]. وذكر قتادة القولين؛ أحدهما: القصور، والحصون. والثاني: مآخذ للماء [[أخرج القول الثاني، عبد الرزاق 2/ 74. وابن جرير 19/ 95، وابن أبي حاتم 9/ 2794.]]. وقال سفيان: المصانع التي يكون فيها الماء [[قال ابن جرير 19/ 95: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعَةٍ، والعرب تسمي كل بناءٍ مصنعةً، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصوراً، وحصوناً مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل، فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع".]]. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخلدوا [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 114 ب. وابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 136.]]. وهي اختيار الفراء والزجاج، وابن قتيبة؛ [قال الفراء: كيما يخلدوا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 281. وذكره ابن جرير 19/ 96، بقوله: "وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى: كيما". ولم يسمه، ولم يعلق عليه.]]. وقال الزجاج: ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: كي تخلدون، أي: وتتخذون مباني للخلود [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 96، وفيه: ومعنى ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: لأن تخلدوا.]]. وقال ابن قتيبة] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).]]: وكأنهم كانوا يستوثقون من البناء، والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من قدر الله [["غريب القرآن" لابن قتيبة 319.]]. وقال ابن عباس وقتادة ومقاتل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كأنكم تخلدون [[كأنكم تخلدون، في نسخة (ج). ذكر البخاري، عن ابن عباس: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كأنكم. الفتح 8/ 496. وهو كذلك في "تنوير المقباس" 311. ووصله ابن جرير== 19/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 2795، من طريق علي بن أبي طلبة. وأخرجه ابن جرير، عن قتادة أيضًا.]] في الدنيا لا تموتون [["تفسير مقاتل" 53 أ.]]. وهو قول الكلبي، وأكثر المفسرين؛ قالوا: يقول: كأنهم يخلدون [["تنوير المقباس" 311.]]. و (لعل)، تأتي في الكلام بمعنى كأن؛ قال يونس في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: 6] معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا [[ذكره عن يونس، الأزهري، "تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).]]. والمعنى على هذا: أنهم كانوا قد جاوزوا في اتخاذ المصانع إلى الإسراف كأنهم يخلدون فيها فلا يموتون. قال ابن الأنباري: وتكون: (لعل) بمعنى الاستفهام؛ كقولك: لعلك تشتمني، معناه: هل تشتمني [[ذكره عن ابن الأنباري، الأزهري، "تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).]]. وهذا مذهب ابن زيد في هذه الآية؛ قال: (لعل) [[في نسخة (أ): لعلك.]] استفهام يعني: فهل تخلدون حين تبنون هذه الأبنية [[أخرجه ابن جرير 19/ 96، وابن أبي حاتم 9/ 2795. وذكره الثعلبي 8/ 114 ب.]]. ويجوز أن يكون معنى (لعل) هاهنا: الترجي للخلود، وكأنهم كانوا يرجون خلودهم في الدنيا لطول أعمارهم فاتخذوا الأبنية الشديدة [[كون لعل للترجي ذكره الأزهري عن ابن الأنباري؛ بلفظ: "لعل يكون ترجياً، ويكون بمعنى: كي". "تهذيب اللغة" 1/ 106 (لعل).]].