الباحث القرآني

إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: ما هذا الذي نحن عليه إلا دين الأولين [[أخرجه ابن جرير 19/ 97، وابن أبي حاتم 9/ 2797، من طريق علي بن أبي طلحة.]]. وهذا قول السدي: قال دين الأولين. وذكرنا الخَلْق بمعنى الدين عند قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّه﴾ [النساء: 119] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: "قال ابن عباس: يريد دين الله. وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها .. ".]]. وفيه قول آخر؛ قال مقاتل: ما هذا العذاب الذي تقول يا هود إلا كذب الأولين [["تفسير مقاتل" 53 أ، وفيه: أحاديث بدل: كذب.]]. وهو قول ابن مسعود: قال: شيء اختلقوه [[في نسخة (ب): زيادة: فيه، بعد: اختلقوه. وأخرجه ابن جرير 19/ 98 إلى نهاية الآية: بلفظ: شيء اختلقوه وأخرج ابن جرير، أيضًا 19/ 97، عن ابن عباس: "أساطير الأولين". وفي "تنوير المقباس" 311: "اختلاق الأولين".]]. وقال مجاهد: كذبهم [["تفسير مجاهد" 2/ 464. وأخرجه ابن جرير 19/ 97، وابن أبي حاتم 9/ 2797.]]. فالخَلْق على هذا معناه: الاختلاق والكذب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 281، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 97. واستدل ابن قتيبة بهذه الآية على أن الخلق يراد به: التخرص. "تأويل مشكل القرآن" 506. وقال في: "غريب القرآن" 319: "أراد: اختلاقهم وكذبهم". وكذا أبو القاسم الزجاجي، "اشتقاق أسماء الله" 286.]]، كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: 7]، وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17] أي: تختلقونه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 365، بنصه.]]. وفيه قول آخر وهو قول قتادة؛ قال: يقولون هكذا خِلْقَةُ الأولين، وهكذا يحيون، ويموتون [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 75. وعنه ابن جرير 19/ 97، وابن أبي حاتم 9/ 2797.]]. قال الزجاج على هذا القول أي: خُلِقنا كما خُلِق مَنْ قبلنا نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ولا نبعث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 97.]]. وقال أبو علي: فخَلْق على هذا مصدر، إن شئت قدرته تقدير الفعل المبني للمفعول، أي: خُلِقنا كما خلقوا. قال: ويجوز أن يكون المصدر مضافًا إلى المفعول به، ولا يقدَّر تقدير [[تقدير هكذا مكررة، في النسخ الثلاث.]] الفعل المبني للمفعول [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 365.]]. وقرئ ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِين﴾ بضم الخاء واللام [[قرأ بضم الخاء واللام: نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: (خَلْق) بفتح الخاء، وتسكين اللام. "السبعة في القراءات" 472، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 136، والمبسوط في القراءات العشر 275، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 365، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 335.]]. قال الفراء، والزجاج، وابن قتيبة، وأبو علي: عادة الأولين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 281. و"غريب القرآن" لابن قتيبه 319. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 97. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 365.]]. وله تأويلان؛ أحدهما: أنهم قالوا: ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين مِنْ قبلنا يعيشون ما عاشوا ثم [[في نسخة (ب): ويموتون.]] يموتون ولا بعث ولا حساب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 365، بمعناه.]]. والثاني: ما هذا الذي أنكرتَ علينا من الشأن والبطش إلا عادة مَنْ قبلنا فنحن على ما كانوا عليه نقتدي بهم. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نفعل. قال ابن عباس: يريدون أنهم أمنوا مكر الله، فكذبوه بالعذاب في الدنيا [["تفسير مقاتل" 53 أبلفظ: "فكذبوه بالعذاب في الدنيا". وهو كذلك في جميع النسخ.]]. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بالريح [["تفسير مقاتل" 53 أ. و"تنوير المقباس" 311.]].