الباحث القرآني

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ
قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد شعيبًا وحده. والأيك: شجر الدَّوْمُ التي بمدين [[أخرجه ابن جرير 19/ 107، من طريق علي بن أبي طلحة بلفظ: الأيكة: مجمع الشجر. ومن طريق ابن جريج بلفظ: أهل مدين، والأيكة: الشجر الملتف.]]. وقال مقاتل: كان أكثر شجرهم الدَّوْمُ، وهو: المُقْل [["تفسير مقاتل" 54 أ. في "تهذيب اللغة" 14/ 212 (دام): الدَّوْمُ: شَجَر المُقْل، الواحدة: دَوْمَة وفي "تهذيب اللغة" 9/ 185 (مقل): المُقْل: حَملُ الدَّوْمُ، والدَّوْمُ شجرة تشبه النخلة.]]. وقال أبو إسحاق: هؤلاء كانوا أصحاب شجر مُلْتَّف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 97، وصدره بقوله: "ويقال في التفسير" قال أبو عبيدة 2/ 90: "وجمعها: أيك، وهي جماع من الشجر".]]. وذكرنا تفسير ﴿الْأَيْكَةِ﴾ عند قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ [الحجر: 78]. قال [[قال، في نسخة (ب). ولعلها زائدة.]] قرأ الحجازيون (أصحاب ليكة) هاهنا وفي: ص [[في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص: 13].]]، بغير همزة، والهاء مفتوحة [[قال ابن الجزري: "قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر: (أصحاب ليكة) هاهنا، وفي: ص، بلام مفتوحة، من غير ألف وصل قبلها، ولا همزة بعدها، وبفتح تاء التأنيث في الوصل، مثل: حيوة، وطلحة، وكذلك رسماً في جميع المصاحف، وقرأ الباقون بألف الوصل مع إسكان اللام، وهمزة مفتوحة بعدها، وخفض تاء التأنيث في الموضعين. "النشر في القراءات العشر" 2/ 336، و"السبعة في القراءات" 473، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 137، و"المبسوط في القراءات العشر" 275، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 367.]]. قال أبو علي الفارسي: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ تعريف أيكة، فإذا خففت الهمزة حذفتها، وألقيت حركتها على اللام فقلت: ليكة، كما قالوا لَحْمَر. وقول من قال: أصحاب ليكةَ، بفتح التاء مشكل [[مشكل، في نسخة (أ)، (ب).]]؛ لأنه فتح التاء مع إلحاق الألف واللام الكلمة، وهذا في الامتناع كقول من قال: مررت بِلَحْمَرَ فَفَتَح الآخِر مع لحاق لام المعرفة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 367، بمعناه.]]. وإنما يُخرَّج قول من قال: أصحاب ليكةَ الموضع أن تكون هذه اللام فاءً، ولا تكون لام التعريف، ويكون [[في نسخة (ج): فيكون.]] ذلك الموضع يعرف لهذا الاسم، فإن لم يثبت هذا كان مشكلًا ولم أسمع بها. قال أبو إسحاق: وكان أبو عبيد [[في جميع النسخ: أبو عبيدة. قال الزجاج في هذا الموضع 4/ 98: "وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يختار قراءة أهل المدينة".]] يختار هذه القراءة لموافقتها الكتاب، وذلك أن في هذه السورة وفي: (ص)، كتبت في المصحف (ليكة) بغير همز ولا ألف وصل [[في نسخة (ب): بغير همز وصل.]] مع ما جاء في التفسير أن اسم المدينة كان: ليكة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 98. وذكر قول أبي عبيد النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 190، وكذا السمين الحلبي، الدر المصون 8/ 544.]]. قال أبو علي: إن ما في المصحف من إسقاط [ألف الوصل التي مع اللام وإسقاط] [[ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (ج).]] صورة همزة ليكة لا يدل على صحة ما اختاره؛ وذلك أنه يجوز أن يكون كُتب في المصحف على تخفيف الهمزة [[في نسخة (أ)، (ب). زيادة: [ونقل الحركة، ثبت أن] وليست في كتاب أبي علي.]]، ونقل الحركة [[ونقل الحركة. في نسخة (ب). وفي "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 190: "والقول فيه أن أصله: الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام وسقطت واستَغنيت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض، كما تقول: مررت بالأحمر، على تحقيق الهمزة ثم تخففها فتقول: مررت بلَحْمر، فإن شئت كتبته في الخط كما كتبته أولاً، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلا بالخفض فكذا لا يجوز في الأيكة إلا الخفض، قال سيبويه: واعلم أن كل ما لا ينصرف إذا دخلته الألف واللام أو أضيف انصرف إذا دخلته، ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا".]]، وقول من قال: لحمرَ كما كتبوا ﴿الْخَبْء﴾ [النمل: 25] على ذلك، فإذا جاز إسقاط ألف الوصل على هذه [[في كتاب "الحجة": لهذا، بدل: على هذه.]] اللغة مع تخفيف الهمزة ونقل الحركة [[قوله: (ونقل الحركة) غير موجود في كتاب الحجة.]] ثبت أن ما اختاره لا يدل عليه [[يوجد هنا تكرار في نسخة (أ). وحذفته ليستقيم المعنى.]] خط المصحف، ويجوز أيضًا أن تكون الكتابة في هذين الموضعين وقعت على اللفظ [[في كتاب أبي علي: الوصل، بدل: اللفظ.]] فكما أنه لا ألف ثانية في اللفظ مع تخفيف الهمزة في الأيكة كذلك [لم تكتب في الخط] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).]] وهذان وجهان في حذف ألف الوصل من الخط؛ ومثله في أنه كُتب مرة على اللفظ، وأخرى على غيره، كتابتهم: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: 18] بغير واو، لَمَّا لم تثبت في اللفظ، وكتبت [[وكتبت، في نسخة (ج).]] في: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّر} [الإسراء: 11] بالواو، فإذا جاز هذا فيه، علمت أن الاختيار مدخول؛ ويدل على ضعف الاختيار أن سائر القرآن غير هذين الموضعين عليه. ويدل على فساد ذلك أيضًا همز من همز فقال: (الأيكة) فإذا ثبت هذا علمت أن (ليكة) على تخفيف الهمز، وأن فتح (ليكَةَ) لا يصح في العربية، لأنه فتح حرف الإعراب في موضع الجر مع لام المعرفة. انتهى كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 367. ونحوه في "معاني القرآن" للزجاج 4/ 98.]]. وقوله: جاء في التفسير أن اسم المدينة: ليكة؛ لم أرَ هذا في تفسير، وكيف يجوز ذلك مع إجماع القراء على الهمز في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ في سورة الحجر [78]. والأيكة التي ذكرت هناك هي التي ذكرت هاهنا، وقد روى ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (ليكة) قال: الأيكة. فدل هذا أن ليكة على التخفيف ونقل الحركة؛ لا على أن اسم المدينة: ليكة، مع ما حكينا عن ابن عباس ومقاتل في هذه الآية؛ أنهما فسرا الأيكة بالشجرة الغَيْضَة [[الغيضة. في نسخة (أ). وفي ج: والغيضة. أخرجه ابن جرير 19/ 107، وابن أبي حاتم 9/ 2810 عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. و"تفسير مقاتل" 54 أ.]] لا بالمدينة والبلد [[في نسخة (ب): البلدة. وقد أنكر هذا قبل الواحدي، النحاس، في "إعراب القرآن" 3/ 189.]].