الباحث القرآني

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَیۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ
قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: 85، وهود: 84] ولم يقل في هذه السورة: إذ قال لهم أخوهم شعيب كما قال في سائر الأنبياء؟ قال المفسرون: شعيب كان من مدين؛ لأنه شعيب بن بويب بن مدين ابن إبراهيم خليل الرحمن، ولم يكن من أصحاب الأيكة، وكان مبعوثًا إليهما فإذا ذكر مدين قيل: أخوهم، وإذا ذكر أصحاب الأيكة لا يقال أخوهم [["تفسير مقاتل" 54 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 115 ب. و"تفسير الطوسي" 8/ 57. و"تفسير البغوي" 6/ 126. وذكر السمرقندي، في تفسيره 2/ 482، هذا القول، ثم قال: "وقال بعضهم: كان مدين والأيكة واحداً، وهو الغيضة بقرب مدين، فذكره في موضع أخوهم، ولم يذكره في الآخر". وقيل: أصحاب الأيكة مدين، ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيهاً لشعيب عن النسبة إليها. تفسير ابن جزي 496. قال ابن كثير 6/ 158: "أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيباً -عليه السلام-، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم". ثم قال بعد أن سياق روايات ضعيفة في بعث نبي الله شعيب -عليه السلام- إلى أمتين: "والصحيح أنهم أمة واحدة، وصِفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعَظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة".]]. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: إن شعيبًا بعث إلى قومه، وإلى غير قومه، وهو من ولد مدين بن إبراهيم، وأصحاب الأيكة من جُذَام [[جُذَام بن عدي: قبيلة من كهلان من القحطانية ومساكنها بين مدين وتبوك. "معجم قبائل العرب" 1/ 174، عمر رضا كحالة.]]. قال المفسرون: الفائدة في أن الله تعالى ذكره أخبر عن كل شيء ذَكر في هذه السورة أنه قال لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأعاد هذا بلفظ واحد [هي: أنه أخبر أن هؤلاء الأنبياء دعوتهم كانت [[في نسخة (ب): كانت دعوتهم. بتقديم: كانت.]] على وجه واحد] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).]] وأنهم كانوا متفقين على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على الدعوى وتبليغ الرسالة [["تفسير الثعلبي" 8/ 116 أ. و"تفسير البغوي" 6/ 126. بنصه، ولم ينسبه.]].