الباحث القرآني

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن [["تفسير مقاتل" 55 أ.]] ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فعلى هذا: أراد بالمجرمين: مشركي مكة. وعلى قول الحسن وابن عباس؛ أراد: المجرمين من الأمم الخالية؛ أخبر الله أنه أدخل الشرك، وجعله في قلوبهم فلم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب حين لم ينفعهم. قال ابن عباس في قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، قال: لا يصدقون بتوحيد الله ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي أهلكهم الله به مما قص من لدن: نوح، إلى: شعيب. وعلى التأويلين جميعًا في الآية دلالة على أن الله تعالى خالق الشرك، سالكه في قلوب المجرمين. قال الفراء: يقول سلكنا التكذيب في قلوب المجرمين كيلا يؤمنوا به [["معاني القرآن" للفراء 2/ 283.]]. وقال أبو إسحاق: أي: سلكنا تكذيبهم في قلوبٍ جعل الله مجازاتِهم أن طبع على قلوبهم وسلك فيها الشرك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ قال: أخبر أنه لما سلك في قلوبهم الشرك منعهم من الإيمان به [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 102.]]. وتفسير القدرية لقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ في قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أمررنا القرآن في قلوبهم بإخطاره ببالهم لتقوم الحجة عليهم [[بنصه، قول الطوسي، في تفسيره 8/ 63. بلفظ: "أقررناه في قلوبهم بإخطاره" وهذا تصحيف، والصواب: أمررناه.]]. وهذا التفسير خَلْفٌ [[يقال: هذا خَلْفٌ من القول؛ أي. رديء. "تهذيب اللغة" 7/ 394 (خلف).]] فاسد؛ لم يقله أحد من المفسرين، ولا أصحاب المعاني إلا القدرية؛ وكيف يصح هذا والله تعالى يقول: ﴿لَا يُؤمِنُونَ بِه﴾ أفتراه سلك القرآن في قلوبهم حتى لا يؤمنوا؟ وكان من الواجب أن يؤمنوا إذا أدخل الله القرآن في قلوبهم، ثم السلك ليس بمعنى: الإمرار والإخطار؛ إنما هو بمعنى: الإدخال والإثبات، كسلك الخيط في الحريرة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ﴾ [المدثر 42] لا يجوز أن يقال في معناه: ما أخطركم بها. والهاء في قوله: ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ تعود إلى معنى قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِين﴾ ومعناه: كذبوا، وكذبوا يدل على التكذيب فكنى عنه، وهو قول المفسرين وأهل المعاني: سلكنا الشرك وسلكنا التكذيب، فظاهر الآية يدل على صحة قول مقاتل، وأن هذا إخبار عن مشركي مكة ولو كان خبرًا عن مشركي الأمم المتقدمة لقيل: لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فأتاهم بغتة، وقد قال: