الباحث القرآني

یُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَـٰذِبُونَ
قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: يلقون ما سمعوه إلى الكهنة [[قال مجاهد: "الشيطان ما سمعه ألقاه ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ". "تفسير مجاهد" 2/ 467. وأخرج نحوه ابن جرير 19/ 126.]]. وقال الفراء: يلقون إلى كهنتهم السمع الذي سمعوا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 285.]]؛ لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. وهذا كان قبل أن أوحي [[هكذا في جميع النسخ.]] إلى النبي -ﷺ- وبعد ذلك: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 9]. قال الكلبي: يستمعون إلى السماء فيأتون بما استمعوا إلى كهنتهم [["تنوير المقباس" 315.]]. وقال مقاتل: إن الله تعالى إذا أراد أمرًا في الأرض عَلِم به أهل السموات من الملائكة، فتكلموا به، فتسمع الشياطين، وترميهم الملائكة بالشهب، فيخطفون الخطْفة، فذلك قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ قال: معناه: يلقون بآذانهم إلى كلام الملائكة [["تفسير مقاتل" 55 ب.]]. وهذا التفسير غير الأول في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [[هكذا في نسخة (ج): في: يلقون السمع. وفي: (أ)، (ب): ويلقون السمع.]] ويشهد لهذا قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37] ومعناه: استمع. وقال في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يعني: الشياطين حين يخبرون الكهنة أنه يكون في الأرض كذا وكذا [["تفسير مقاتل" 55 ب.]]. وذكر صاحب النظم قولًا آخر في: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ وهو أنه قال: يعني (كل أفاك أثيم) وأخرج فعلهم مخرج الجماعة؛ لأن قوله: (كل أفاك) يتضمن الجمع، أي: يستمعون إلى الشياطين. وعلى هذا قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة: (كل أفاك أثيم). قال: وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: الشياطين يخبرونهم بالكذب وهم يسمعون منهم فيقصون به، فجاء قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ وقوله: (كاذبون) كالمتصل بعضها ببعض وهما مختلفان لاختلاف الأسماء فيهما؛ يعني: أن قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ من صفة الكهنة، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ من صفة الشياطين [[وذهب إلى هذا ابن قتيبة، فقال في "غريب القرآن" 321: " ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ يسترقونه".]].