الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [[عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبعُهُمُ الْغَاوُونَ) فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. أخرجه أبو داود 5/ 280، كتاب الأدب، رقم: 5016. وذكر ابن تيمية -رحمه الله- حكمة جيدة لذكر الحديث عن الشعراء في هذه السورة، بعد ذكر قصص من سبق من الأنبياء، فقال: "فذكر الفرق بينه وبين من قال: تنزل عليه الشياطين، من الكهان، والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعر أيضًا يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس، فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان، فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهو الذين يتبعون الأهواء وشهوات الغي، فنفى كلاً منهما بانتفاء لازمه، وبين ما تجتمع فيه من شياطين الإنس والجن". تفسير آيات أشكلت 2/ 727.]] الشعراء جمع الشاعر، يقال: شَعَر يشعُر شِعرًا، وشِعرة إذا علم [[هكذا في جميع النسخ: شعراً وشعرة. وفي "تهذيب اللغة" 1/ 420: شَعراً، وشِعرًا.]]، والشعر: القَريض المحدود بعلامات لا يُجاوزها، وقائله شاعر؛ لأنه يَشعُر [ما لا يَشعُر] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (أ)، (ب).]] غيره [["تهذيب اللغة" 1/ 420 (شعر).]]. وجمعه شعراء مثل: جاهل وجهلاء، وعالم وعلماء [[قال الشافعي: "الشعر: كلام منظوم بمنزلة المنثور من الكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا قال الرجل شعرًا وفيه رفث، وفحش سقطت عدالته، وإذا قال شعرًا فيه الغزل الذي ليس بمكروه، أو مَدَح رجلاً قُبلت عدالته". "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 142.]]. قال ابن عباس: يريد: المشركين ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ من الشياطين [[أخرجه ابن جرير 19/ 127.]]. قولى: يريد المشركين، يعني: الشعراء المشركين. وقد ذكر مقاتل أسماءهم؛ فقال: منهم: عبد الله بن الزَّبَعرى السهمي، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومُسافع بن عبد مناف الجُمحي، وأبو عزة عمرو بن عبد الله، كلهم من قريش، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا: نحن نقول مثل قول محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم [[في نسخة (أ)، (ب): قولهم.]] يسمعون أشعارهم، ويروون عنهم حين يهجون النبي -ﷺ- وأصحابه [["تفسير مقاتل" 55 ب.]]. وقال عكرمة: تهاجا شاعران في الجاهلية مع كل واحد فئام [[الفئام من الناس: الجماعة. "تهذيب اللغة" 15/ 572 (فأم).]] من الناس فقال الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وهما ذانك الشاعران [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2832.]]. وهذا قول الضحاك في سبب النزول، وقال: الغواة: السفهاء [[أخرج ابن جرير 19/ 127، بلفظ: "كان رجلان على عهد رسول الله -ﷺ- أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين". وذكره كذلك الثعلبي 8/ 118 ب. وفي كون ذلك حدث بعد الهجرة إشكال من ناحية كون هذه السورة مكية. قال ابن كثير 6/ 175: "ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مُرسلاتٌ لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم".]]. وهي رواية العوفي عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير 19/ 127، عن ابن عباس، وعكرمة. وابن أبي حاتم 9/ 2833. وذكره الثعلبي 8/ 118 ب.]]. وقال عكرمة، والشعبي: ﴿الْغَاوُونَ﴾ عصاة الجن [[أخرجه ابن جرير 19/ 127، وابن أبي حاتم 9/ 2831، عن عكرمة.]]. وهو معنى قول ابن عباس في رواية ابن بريدة؛ قال: هم الشياطين [[أخرجه الثعلبي 8/ 118 ب، بسنده عن ابن بريدة عن ابن عباس.]]. وهو قول قتادة، ومجاهد: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الشياطين [["تفسير مجاهد" 2/ 467. وأخرجه ابن جرير 19/ 127. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 78، عن قتادة، وعنه ابن جرير 19/ 127.]]. وروى عكرمة عنه: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الرواة [[أخرجه ابن جرير 19/ 126، وابن أبي حاتم 9/ 2831. وذكره الثعلبي 8/ 118ب.]]. وهو قول الكلبي، قال: الرواة الذين يروون هِجاء النبي -ﷺ-، وكانو ينحرون لهم الجُزُر [["تنوير المقباس" 315، بلفظ: الراوون يروون عنهم.]]. وقال الفراء: نزلت في ابن الزبعرى وأشباهه؛ لأنهم كانوا يهجون النبي -ﷺ- والمسلمين [[والمسلمين، في نسخة (أ)، (ب). وهو موافق لما عند الفراء.]] يتبعهم غواتهم الذين كانوا يرون سب النبي -ﷺ- [["معاني القرآن" للفراء 2/ 285. قال ابن جرير 19/ 127: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن، وذلك أن الله عَمَّ بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض".]].