الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أي: أشرفوا عليه [["تفسير الوسيط" 3/ 373، ولم ينسبه.]]. ولهذا المعنى أُدخل (عَلَى) ولم يكن: أتوا وادي النمل. قال كعب: هو بالطائف [["تفسير الثعلبي" 8/ 124 أ. و"تفسير الماوردي" 4/ 199. و"تفسير البغوي" 6/ 150. قال البقاعي 14/ 142: وهو الذي تميل إليه النفس، فإنه معروف عندهم بهذا الاسم، ويسمى أيضًا: نخب، وزن كتف، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار. والطائف مدينة معروفة في غريب المملكة العربية السعودية، على بعد 100كم من مكة المكرمة.]]. وقال قتادة ومقاتل: هو بالشام [["تفسير مقاتل" 57 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2857، عن قتادة. و"تفسير == الثعلبي" 8/ 124 أ. و"تنوير المقباس" 316. واقتصر عليه الهواري 3/ 249، ولم ينسبه. وذكره الزجاج 4/ 112، ولم ينسبه. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 801، وذكر القولين في تفسيره الوسيط 3/ 373. وكذا البغوي 6/ 150.]]. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ذكرنا أن القول والكلام والمنطق يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر، ويعبر به عن الصوت، كقوله: حتى إذا نطق العصفور. أي: صاح [[تقدم ذكر البيت عند قول الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16].]]. كذلك قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ أي: صاحت بصوت خلق الله لها. ولما كان ذلك الصوت مفهومًا لسليمان -عليه السلام-، عبَّر عنه بالقول علي ما ذكر الفراء، في منطق الطير [[وذهب إلى هذا سيبويه، الكتاب 2/ 46، وكذا المبرد، "المقتضب" 2/ 226.]]. وهذان وجهان في قول النملة. قال الكلبي: وكانت نملة صغيرة مثل النمل [[نسبه للكلبي القرطبي 13/ 171، وفي "تنوير المقباس" 316: نملة عرجاء يقال لها: منذرة!. وما دليل ذلك؟.]]. وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة: كانت نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم [["تفسير القرطبي" 13/ 171. وأخرجه ابن جرير 19/ 142، عن عوف، بلفظ: الذباب. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 801. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2858، عن نوف الحميري: كان نمل سليمان مثل أمثال الذئاب. وذكره كذلك الثعلبي 8/ 124 أ. وذكر السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 347، عن كعب: وكانت مثل الذئب في العظم. وذكره الزجاج 4/ 112، ولم ينسبه. وذكره ابن كثير 6/ 183، عن الحسن، ثم نقد ابن كثير هذه الأقوال بقوله: ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه التكملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2857 عن الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات في حين.]]. وعن بريدة الأسلمي: أنها كانت كهيئة النعاج [[ذكره عنه القرطبي 13/ 171.]]. ولعل الأقرب قول الكلبي؛ لقوله: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ولو كانت كالذئاب والنعاج، ما حطمت بالوطء ولا خافت ذلك [[ورجح ذلك القرطبي 13/ 171، ولم يذكر من سبقه له. قال البغوي 6/ 151، والبرسوي 6/ 333: والمشهور أنه النمل الصغير.]]. والنملة، جمعها: نَمْل، ونِمَال [["تهذيب اللغة" 15/ 366 (نمل).]]، ومنه قول الأخطل: دبيبُ نِمَالٍ في نَقًا يتهيّلُ [["تهذيب اللغة" 15/ 366 (نمل)، عن الليث، ونسبه للأخطل، وصدره: تدِب دبيبًا في العظام كأنه النقا: ما ارتفع من الرمل، يتهل: ينحدر. "شرح ديوان الأخطل" 262.]] ويقال: رجل نَمِل الأصابع، إذا كان خفيف الأصابع في العمل. وفرسٌ نَمِل القوائم؛ لا يكاد يستقر [["تهذيب اللغة " 15/ 366 (نمل).]]. والنمل إذا خرجت من قريتها لا تُرى مُستقرة ثابتة، بل تتحرك وتعدُو يمنة ويسرة، وهي كثيرة الحركة. قال أهل المعاني: ومعرفة النملة سليمان معجزة له ألهمها الله تعالى معرفته حتى عرفت وحَذَّرت النملَ حَطْمَه، والنمل تعرف كثيرًا مما فيه نفعها وضرها؛ فمن ذلك: أنها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، إلا الكُزْبَرَة [[نوع من أنواع البقول. "لسان العرب" 5/ 138 (كزبر)، و"المعجم الوسيط" 2/ 786.]] فإنها تكسرها بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا كُسرت بقطعتين. فمَنْ هداها إلى هذا هو الذي ألهمها معرفة سليمان [["تفسير الوسيط" 3/ 373، ولم ينسبه. و"تفسير الماوردي" 4/ 200، ولم يشبه. وذكره الطوسي للدلالة على أن معرفة النمل لسليمان، ليس على سبيل المعجزة الخارقة للعادة؛ لأنه لا يمتنع أن تعرف البهيمة كثيرًا مما فيه نفعها وضرها. == "التبيان في تفسير القرآن" 8/ 84. وذكر ابن القيم عجائب صنع الله تعالى في المل، في كتابه "شفاء العليل" 69، 70.]]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: جاء لفظ: (ادْخُلُوا) كلفظ ما يعقل؛ لأن النمل هاهنا أجري مجرى الآدميين حين نطق كما نطق الآدميون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 112.]]. وذكرنا استقصاء هذا عند قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾ الآية [يوسف: 4] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ وهي مما لا يَفهم، ولا يُفهم وحسن ذلك؛ لأنه لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال في صفة الأصنام: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 198].]]. قوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ الحَطم: كسر الشيء، والحُطَام: ما يُحطم من ذلك [["تهذيب اللغة" 4/ 399 (حطم).]]. ومعنى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسرنكم [["تنوير المقباس" 317. و"تفسير ابن جرير" 19/ 141.]]. قال مقاتل: لا يهلكنكم سليمان وجنوده [["تفسير مقاتل" 75 ب.]]. وذكرنا وجه جواب الأمر بنون التأكيد عند قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، [الأنفال: 25] وهذه الآية وتلك سواء [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة الأنفال: ووجه إعراب الآية على هذا القول ما ذكره أبو إسحاق، وهو أن قوله: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ نهي بعد أمر، والمعنى: اتقوا فتنة، ثم نهى بعدُ، ثم قال: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ الفتنة الذين ظلموا، أي: لا == يتعرضن الذين ظلموا لما ينزل بهم من العذاب. ثم ذكر شرح ابن الأنباري لهذا القول، ثم ذكر قول أبي علي الفارسي: إنه نهي بعد أمر، واستغني عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما استغني عن ذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] و ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39، وغيرها] ومحال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي، ودخول النون هاهنا يمنع أن تكون: ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جوابًا للأمر. قال أبو حيان: دخول نون التوكيد على المنفي بـ: لا، مختلف فيه؛ فالجمهور لا يجيزونه ويحملون ما جاء منه على الضرورة، أو الندور، والذي نختاره الجواز، وإليه ذهب بعض النحويين. "البحر المحيط" 4/ 477، وأطال الحديث عن هذه المسألة في سورة الأنفال، وفي سورة النمل، وتبعه السمين الحلبي، "الدر المصون" 5/ 589. قال ابن الأنباري: (لا) ناهية، ولهذا دخلت النون الشديدة في ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ ولا يجوز أن يكون تقديره: إن دخلتم مساكنكم لم يحطمنكم، على ما ذهب إليه بعض الكوفيين؛ لأن نون التوكيد لا تدخل في الجزاء إلا في ضرورة الشعر. "البيان" 2/ 220.]]. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: بحطمكم ووطئكم. قال مقاتل: لقد علمت النملة أنه مَلِك لا بغي فيه، ولا فخر، وأنه إن علم بها قبل أن يغشاها لم يتوطاها [["تفسير مقاتل" 75 ب.]]، لذلك قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [[أي: لا يعلمون أنهم يحطمونكم. "تفسير ابن جرير" 19/ 141. وذكر الهواري 3/ 249، قولاً آخر اقتصر عليه ولم ينسبه، فقال أي: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم كلامهم. وفي ذلك بعد، وقد نقد هذا القول محقق الكتاب. واستبعده الشوكاني 4/ 127. وذكر القولين السمرقندي 2/ 492. والماوردي 4/ 200. ورد هذا القول ابن العربي، في أحكام القرآن 3/ 475. وذكر ابن الجوزي 6/ 162، عن ابن عباس: وأصحاب سليمان لم يشعروا بكلام النملة.]]. ثم وقف سليمان بمَنْ معه ليدخل النمل مساكنها [["تفسير مقاتل" 75 ب. ونسبه "الماوردي" 4/ 200، لابن عباس.]]. وهذا يدل على أن سليمان وجنوده كانوا ركبانًا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح؛ لأن الريح لو حملتهم بين السماء والأرض ما خافت النمل أن تتوطَّأهم بأرجلهم [[أي: تتوطأهم الجنود. ونحو هذا ذكر الحافظ ابن كثير، في "البداية والنهاية" 2/ 19. وفي هذا رد على ما سبق من حمل الريح لجنود نبي الله سليمان -عليه السلام-.]]. ولعل هذه القصة كانت قبل تسخير الله تعالى الريح لسليمان. قال المفسرون: طارت الريح بكلام النملة فأدخلته أذن سليمان [["تفسير الثعلبي" 8/ 124 أ. و"الماوردي" 4/ 200. و"تفسير الوسيط" 3/ 373.]]. قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى أعطى سليمان زيادة في ملكه، لا يذكره أحد من الخلق إلا حملت الريح ذلك الكلام إليه حتى يسمعه، فلما سمع كلام النملة تبسم [["تفسير الثعلبي" 8/ 123 أ. وظاهر الآية أنه سمع كلام النملة لقربه منها. والله أعلم.]]. وفي هذه الآية ذكر أنواعٍ من المعجزة لسليمان؛ وهي: معرفة النمل لسليمان وجنوده، وكلامُ النملة للنمل، وفَهْمُ النمل عنها ما حذرتهم من الحطم؛ لأنها لما سمعت كلام النملة دخلت المساكن، وسماعُ سليمان كلام النملة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.