الباحث القرآني

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ
قوله: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ التفقد: تَطَلُّبُ ما غاب عنك من شيء [["تهذيب اللغة" 9/ 42 (فقد).]]. وأصله: تَتَبُّع الشيء المفقود وتَطَلُّبه هل هو مظفور به. وكل شيء غاب عنك ثم تَتَبَّعْته طالبًا له قلت: تَفَقَّدته، بُنِي على: تفعل؛ لأنه تكلف الطلب، كما تقول: تعرفتُ الشيء إذا تتبعتَه تطلب معرفته. والطير: اسم جامع، والواحد طائر [["تهذيب اللغة" 14/ 11 (طار).]]. والمراد بالطير هاهنا: جنس الطير وجماعتها، وكانت تصحبه في سفره تظله بأجنحتها [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2860، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، والسدي. وأخرجه ابن جرير 19/ 144، عن ابن عباس. وأخرجه الحاكم 2/ 440، عن ابن عباس، كتاب التفسير، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.]]. فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ هذا استفهام عن حال نفسه. والمراد به الاستفهام عن حمال الهدهد. على تقدير: ما للَّهدهد لا أراه، ولكنه من القلب الذي يوضحه المعنى. تقول العرب: ما لي أراك كئيبًا؟ معناه: مالَك [["تفسير الوسيط" 3/ 373، ولم ينسبه. وذكر نحوه أبو علي، "المسائل الحلبيات" 152.]]؟ والهُدهُد: طير معروف، وهَدْهَدتُه صوتُه [["تهذيب اللغة" 5/ 353 (هد). وذكره القرطبي 13/ 178، ولم ينسبه.]]. قال مجاهد: سُئل ابن عباس كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: إن سليمان نزل منزلًا ولم يَدرِ ما بُعد الماء، وكان الهدهد مهتديًا، فأراد أن يسأله عنه. قال: قلت كيف يكون مهتديًا والصبي يضع له الحِبَالَة [[الحِبَالَة: جمع الحَبْل، يقال: حَبَل وحِبال، وحِبالة، والحَبْل: مصدر حَبَلت الصسِد واحتبلته: إذا نَصبت له حِبالَة فنَشِب فيها وأخذته. انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 79.]] فيصيده؟! قال: إذا جاء القدر حال دون البصر [[ذكر نحوه الهواري 3/ 250، ولم ينسبه، وفيه تعيين السائل، وهو: نافع الأزرق. == وأخرجه ابن جرير 143/ 19، 144، وابن أبي حاتم 9/ 2859، عن ابن عباس، وفيه ذكر نافع الأزرق. وذكره الثعلبي 8/ 125 أ. وأخرجه الحاكم 2/ 440، كتاب التفسير، رقم: 3525، 3526، من طريق عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد، "كتاب السنة" 2/ 412، رقم: 900.]]. وروى مجالد عنه قال: بينما سليمان ذات يوم في مسيره إذ تفقد الطير، ففقد الهدهد فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُد﴾ قال عطاء عنه: وكان الهدهد يدله على الماء إذا أراد أن ينزل، فلما فقده سأل عنه [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2860، هذا المعنى عن عدد من المفسرين.]]. قال الكلبي: ولم يكن معه في سيره ذلك إلا هدهد واحد. هذا قول أكثر المفسرين: إن السبب في تفقد الطير كان طلب الماء [["تفسير مجاهد" 2/ 470. و"تفسير هود الهواري" 3/ 250. و"ابن جرير" 19/ 143.]]، وكان الهدهد مهندسَ الماء، وإنما كان يعرف سليمان قُرب الماء وبُعده من جهته؛ وذلك أنه كان يرى الماء في الأرض كما يُرى الماءُ في الزجاجة [[أخرج نحوه ابن أبي حاتم 2859/ 9، عن ابن عباس. وذكره بنصه، الزجاج 4/ 113، ولم ينسبه. وذكره السمرقندي 2/ 492، ولم ينسبه.]]. قال عبد الله بن شداد: الهدهد ينظر إلى الماء كما ينظر بعضنا إلى بعض [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2860. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن تفقد نبي الله سليمان عليه السلام للَّهدهد من شمام متابعته لجنده وتفقده لهم، واستظهر هذا المعنى أبو حيان 7/ 61. ورد ابن سعدي 5/ 570، القول بأن سبب تفقد الهدهد، طلب الماء، بأنه لا يدل عليه دليل، بل الدليك العقلي، واللفظي دال على بطلانه، ثم شرع في بيان ذلك، ثم قال: فإن عنده من الشياطين، والعفاريت، ما يحفرون له الماء، ولو بلغ في العمق ما بلغ، وسخر له الريح غدوها شهر، ورواحها == شهر، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الهدهد .. والشاهد: أن تفقد سليمان -عليه السلام- للطير، وفقده الهدهد يدل على كمال حزمه، وتدبيره للملك بنفسه، وكمال فطنته، حتى تفقد هذا الطائر الصغير.]]. وروي عن ابن عباس، في سبب تفقد الطير: أنها كانت تظله، فوقعت نفحة من الشمس على رأسه، فنظر وتفقد الطير، فإذا موضح الهدهد خالٍ، فذلك قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 19/ 144، بنحوه. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2861، عن سفيان. قال ابن جرير: والله أعلم بأي ذلك كان إذ لم يأتنا بأي ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله -ﷺ- صحيح.]] قال أبو إسحاق: معناه: بل كان من الغائبين [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 113. فأم، منقطعة بمعنى: بل.]]. قال مقاتل: والميم هاهنا صلة [[أي: حرف زائد، فيكون المعنى على الاستفهام: أكان من الغانيين والظاهر في الآية أنها أم المنقطعة. وجزم بذلك الزمخشري 3/ 346. قال أبو حيان: والصحيح أن أم في هذا هي المنقطعة؛ لأن شرط المتصلة تقدم همزة الاستفهام، فلو تقدمها أداة الاستفهام غير الهمزة كانت أم منقطعة، وهنا تقدم ما ففات شرط المتصلة، وقيل: يحتمل أن تكون من المقلوب، وتقديره: ما للهدهد لا أراه، ولا ضرورة إلى ادعاء القلب. "البحر المحيط" 7/ 62، وتبعه في ذلك السمين الحلبي، "الدر المصون" 8/ 592.]] كقوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: 41، القلم: 47] [["تفسير مقاتل" 58 أ. وذكره البغوي 6/ 153، ولم ينسبه.]]. ونحو هذا قال الكسائي. وقال المبرد: لما تفقد سليمان الطير ولم ير الهدهد قال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ على تقدير أنه مع جنوده وهو لا يراه، ثم أدركه الشك، فشك [[في نسخة: (ج): فقال.]] في غيبته عن ذلك الجمع حيث لم يره، فقال [[فقال، غير موجودة في (ج).]]: {أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} أي: بل أكان من الغائبين، كأنه ترك الكلام الأول، واستفهم عن حاله وغيبته. وقال صاحب النظم: (كَانَ) هاهنا بمنزلة: صار، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] أي: أن يصير له أسرى، والتأويل: صار من الغائبين. أي: صار ممن يغيب عن مركزه. انتهى كلامه. وقال أبو علي: معنى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ أخبروني عن الهدهد، أحاضرٌ هو ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [فعرنت الجملة لقوله (أَمْ كَانَ)] [[ما بين المعقوفين، في نسخة (ج).]] ومثله قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: 63] وسنذكره في موضعه [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾: قال أبو علي: في إلحاق همزة الاستفهام بعض البعد؛ لأنهم قد علموا أنهم اتخذوهم سخريًا، فكيف يستقيم أن يستفهموا عن اتخاذهم سخرِيًا، وقد علموا ذلك، يدل على علمهم به أنه قد أخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون: 110] فالجملة التي هي: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ صفة للنكرة وهي قوله: ﴿رِجَالًا﴾ ووجه قول من ألحق الهمزة الاستفهام أنه على التقرير لا على المعنى، وذلك ليعادل قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بـ (أم) في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقدن: 2] وإن لم يكن استفهامًا في المعنى وكذلك قولهم: ما أبالي أزيد قائم أم عمرو، فإن قلت: ما الجملة المعادلة بقوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ فالقول فيه: أنها محذوفة المعنى: أمفقودون أم زاغت عنهم الأبصار، وهذا كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: 2].]]. وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: 9] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قرئ بالتخفيف والتشديد، واختلف أهل المعاني في توجيه القراءتين، واختار أبو عبيد التشديد، قال: ومعناها عند أهل العلم: هذا أفضل أمن هو فانت على تأويل: أم الذي هو قانت .. وهذا قول أبي علي في وجه هذه القراءة وشرحه فقال: الجملة التي قد عادلت أم قد حذفت، == والمعنى: الجاحد الكافر خير أم الذي هو قانت، ودل على الجملة المحذوفة المعادلة لـ (أم) ما جاء بعدُ من قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.]] قال: وهذا قول أبي الحسن [[لم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.]]. وإنما قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ولم يقل: من الغائبة؛ لوفاق رؤوس الآي [[سبق الحديث عن هذه المسألة في تفسير الآية الرابعة من سورة: (الشعراء).]]. ووجه جوازه: أن الطير من سليمان بمنزلة من يعقل، حيث فهم عنها وفهمت عنه، فهي عنده كبني آدم وغيرهم ممن يعقل، فلما كان عنده سواء قال: ﴿مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. ثم أوعده على غيبته فقال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.