الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قرئ بفتح الكاف [[قرأ عاصم وحده، بفتح الكاف، والباقون بضم الكاف. "السبعة في القراءات" 480، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 146، وفيه اختار ابن خالويه: الفتح. و"المبسوط في القراءات العشر" 278. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 381، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 337، قال ابن جرير 19/ 147: هما لغتان مشهورتان، وإن كان الضم فيها أعجب إلي؛ لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما. وقال الأزهري: ضم الكاف أكثر في كلام العرب.]]. قال المبرد: يقال: مكَث ومكِث ومكُث فمن قال: مكَث أو مكِث فالمضارع منه: يمكث، ومن قال: مكُث فالمضارع منه: يمكُث، واسم الفاعل من المفتوحة والمكسورة: ماكث، ومن المضمومة: مكيث، نحو: شَرُف فهو شريف، وظَرُف فهو ظريف. قال أبو علي: ومما يقوي الفتح قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] وقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 3] فماكثون تدلك على: مَكَث. ألا ترى أنك لا تكاد تجد فاعلًا من فعُل [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 381. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان، يقول: الدليل على أن: مكَث أفصح قولهم ماكث، ولا يقولون: مَكِثٌ. "إعراب القرآن" 3/ 203. قال الأزهري: وكان أبو حاتم يختار النصب؛ لأنه قياس العربية، ألا ترى أنه يقال: فهو ماكث، ولا يقال: مكيث. "معاني القراءات" 2/ 235.]]. قال ابن عباس: يريد: لم يلبث إلا يسيرًا [["تنوير المقباس" 317، بمعناه.]]. قال الفراء: ومعنى ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ غير طويل من الإقامة، والبعيد والطويل متقاربان [["معاني القرآن" للفراء 2/ 289.]]. وقال الزجاج: أي غير وقت بعيد [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 113.]]. وقوله: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [[في هذه الآية رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 203.]] قال صاحب النظم: فيه محذوف على تقدير: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ حتى جاء (فَقَالَ) [["تفسير السمرقندي" 2/ 493، ولم ينسبه.]]. وقال الزجاج: المعنى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ فجاء الهدهد فسأله سليمان عن غيبته، فقال: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وحذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. ومعنى: (أَحَطتُ) علمتُ شيئًا من جميع جهاته [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 114. و"تفسير الماوردي" 4/ 201، ولم ينسبه.]]. قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعتُ على ما لم تَطَّلِع عليه [["تفسير الماوردي" 4/ 201.]]. وقال مقاتل: علمتُ ما لم تعلم؛ يقول: جئتك بأمر لم تخبرك به الجنُ، ولم تعلم به الإنس، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك [["تفسير مقاتل" 58 أ. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2864، عن قتادة.]]. قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [[سبأ: بفتح أوله وثانيه: أرض باليمن مدينتها مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وسميت بهذا لأنها كانت منزل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. "معجم البلدان" 3/ 203. وهي تقع شمال شرق صنعاء.]] قرئ ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالإجراء، والتنوين. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو غير مجري [["السبعة في القراءات" 480. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 147. و"المبسوط في القراءات العشر" 278. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 382، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 337. وقد صوب القراءتين ابن جرير 19/ 147. ومعنى: غير مجري؛ أي: غير مجرور، فهو ممنوع من الصرف.]]. قال الفراء: من أجرى فلأنه فيما ذكروا: رجل. قال: وسُئل أبو عمرو عن قراءته بغير إجراء، فقال: لست أدري ما هو، قال: وقد ذهب مذهبًا إذ لم يدر ما هو فلمَ يُجره [[اعترض النحاس على كلام الفراء عن قول أبي عمرو؛ فقال: أبو عمرو أجل من أن يقول مثل هذا، وليس في حكايته الرُّؤاسي عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه، وإنما قال: لا أعرفه، ولو سئل نحوي عن اسم فقال: لا أعرفه، لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا، والواجب إذا لم تعرفه أن تصرفه؛ لأن أصل الأسماء الصرف. "إعراب القرآن" 3/ 204.]]؛ لأن العرب إذا سمت بالاسم المجهول تركوا إجراءه كما قال الأعشى: وتُدفنَ منه الصالحاتُ وإن يُسئ ... يكن ما أساءَ النارَ في رأس كَبْكَبَا فكأنه جهل كبكب [[أنشده مع بيت قبله ونسبه سيبويه، الكتاب 3/ 93، وأنشده كذلك الفراء، "معاني القرآن" 2/ 295. وعن الفراء ذكره النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 204. والبيت في "شرح ديواد الأعشى" 40، من قصيدة يهجو فيها عمرو بن المنذر بن عبدان. وفي حاشية الكتاب: كبكب: اسم جبل بمكة، والنار في رأس الجبل أظهر وأشهر؛ أي: من اغترب عن قومه جرى عليه الظلم فاحتمله لعدم ناصره، وأخفى الناس حسناته وأظهروا سيئاته.]]. وقال الكسائي: من جعله اسم ذكرٍ، رجلٍ أو غيره، أجراه، ومن جعله اسمًا مؤنثًا قبيلة أو مدينة، أو مكان لم يجره [[ذكر هذا سيبويه، "الكتاب" 3/ 252، فقال: فأما ثمود وسبأ، فهما مرة للقبيتين، ومرة للحيين. قال ابن الأنباري: من قرأ بالصرف جعله اسمًا للحي، أو للأب، ومن قرأ بترك الصرف جعله اسمًا لقبيلة أو بلدة، فلم يصرف للتعريف والتأنيث. "البيان" 2/ 221.]]. وأنكر أبو إسحاق على الفراء قولَه: الاسم إذا لم يُدرَ ما هو لم يُصرف؛ فقال: الأسماء حقها الصرف فإذا لم يعلم الاسم لمذكرٍ هو أم لمؤنثٍ فحقه الصرف حتى يُعلم أنه لا ينصرف؛ لأن أصل الأسماء الصرف، فكل ما لا ينصرف فهو يُصرف في الشعر. قال: ومن قال: إن سبأ اسم رجل فغلط؛ لأن سبأ هي: مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. فمَن لم يصرف فلأنه اسم مدينة، ومن صرف والصرف أكثرة فلأنه اسمٌ للبلد فيكون مُذَكّرًا سُمِّيَ به مُذكَّر [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 114.]]. والذي قاله أبو إسحاق: من أنه اسم مدينة، قول بعض المفسرين [["تفسير هود الهواري" 3/ 250، ولم ينسبه.]]، وبه قال مقاتل؛ لأنه قال: يعني من أرض سبأ باليمن [["تفسير مقاتل" 58 أ. واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 852.]]. وظاهر هذا القول: أنه أراد مدينة، مع احتمال أن سبأ اسم القبيلة أضاف الأرض إليهم. وكثير من الناس ذهبوا إلى أن سبأ اسم رجل. رُوي في الخبر أن النبي -ﷺ- سُئل عن سبأ فقال: "كان رجلاً له عشرة من البنين" الحديث [[ذكره الهواري 3/ 255، ولفظه: سئل رسول الله -ﷺ- عن سبأ، أرجل هو أم امرأة، أم أرض. فقال: بل هو رجل، ولَدَ عشرة، فباليمن منهم ستة، وبالشام أربعة، ثم ذكر أسماءهم. وأخرجه بسنده ابن جرير، في تفسير سورة سبأ 22/ 76. وأخرج بسنده الأزهري في "معاني القراءات" 2/ 237، وقال: إسناد الحديث حسن، وهو يدل على أن إجراء سبأ أصوب القراءتين. والحديث أخرجه الترمدي 5/ 336، كتاب تفسير القرآن، رقم: 3222، وقال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الحاكم 2/ 460، كتاب التفسير، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وهو في "صحيح سنن الترمذي" 3/ 96، رقم: 2574.]]. وقال أبو الحسن [[نص ابن الجوزي 6/ 165، على أنه الأخفش. لكني لم أجد هذا القول في كتابه المعاني في هذه السورة، ولا في سورة سبأ.]] في سبأ: إن شئت صرفت فجعلته اسم أبيهم، أو اسم الحي، وإن شئت لم تصرف فجعلته اسم القبيلة. قال: والصرف أعجب إليَّ؛ لأني قد عرفت أنه اسم أبيهم، وإن كان اسم الأب يصير كالقبيلة، إلا أني أحمله على الأصل [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 382، منسوبًا لأبي الحسن. قال الشوكاني 4/ 128: أقول: لا شك أن سبأ اسم مدينة باليمن كانت فيها بلقيس، وهو أيضًا اسم رجل من قحطان، وهو: سبأ بن يشجب، بن يعرب، بن قحطان بن هود، ولكن المراد هنا: أن الهدهد جاء إلى سليمان بخبر ما عاينه في مدينة سبأ.]]. وقال غيره: هو اسم رجل، واليمانية كلها تنسب إليه، يقولون: سبأ ابن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 382. ولم يسم القائل. وهذا النسب ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 205.]]. فبان بما ذكرنا أن إنكار أبي إسحاق على من قال: سبأ: اسم رجل، لا يتوجه. قال الأزهري: سبأ: اسم رجل ولَدَ عشرة بنين، فسميت القرية باسم أبيهم [["تهذيب اللغة" 13/ 106 (سبأ)، وصدَّره بـ: قيل، ولم ينسبه.]]. وفي هذا بيان أن القرية إن سميت سبأ فهي مسماة باسم رجل، نحو: مدين سميت باسم مدين بن إبراهيم، والعرب قد تكلمت بالإجراء وغير الإجراء في: (سبأ)؛ قال جرير: الواردون وتيمٌ في ذُرَى سبإٍ [[أنشده كاملًا الفراء 2/ 290، ولم ينسبه، وعجزه: قد عض أعناقهم جِلد الجواميس= وهو في "ديوان جرير" 252، من قصيدة طويلة يهجو فيها التيم، ورواية البيت في الديوان: تدعوك تيم وتيم في ذرى سبإ ... قد عض أعناقَهم جِلدُ الجواميس وفي حاشية الديوان: أراد أنهم أسرى، وفي أعناقهم أطواق من جلد الجواميس.]] فأجرى، وقال آخر: من سبأَ الحاضرين مَأربَ إذ ... يَبْنون من دون سيله العَرِما [[أنشده ولم ينسبه: سيبويه 3/ 253، والزجاج 4/ 114، والأنباري في "الإنصاف" 2/ 502. والشاهد فيه: ترك صرف سبأ، على معنى القبيلة. حاشية الكتاب 3/ 253. وأنشده النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 204، ونسبه للنابغة الجعدي، وهو في ديوانه 134، من قصيدة طويلة مطلعها: الحمدُ لله لا شريك لهُ ... من لم يقُلها فنفسَه ظَلَمَا يذكر في هذه القصيدة ضروبًا من دلائل التوحيد، والإقرار بالبعث والجزاء، والجة والنار، وصفةِ بعض ذلك: على نحو شعر أمية بن أبي الصَّلت، وقد قيل: إن هذه القصيدة لأمية بن أبي الصلت، ولكنه قد صححه يونس بن حبيب، وحمادٌ الراوية، ومحمد بن سلام، وعلي بن سليمان الأخفش، للنابغة الجعدي. "خزانة الأدب" 3/ 172. والبيت في "ديوان أمية بن أبي الصلت" 190.]] وقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ قال ابن عباس: بخبر صادق [["تفسير هود الهواري" 3/ 250، بلفظ: بخبر يقين. وأخرجه ابن أي حاتم 9/ 2865، بلفظ: خبر حق.]]. وقال مقاتل: بحديث حق لا شك فيه. فقال سليمان: وما ذاك؟ فقال الهدهد [[و (¬4) "تفسير مقاتل" 58 أ.]]: