الباحث القرآني

اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قال مقاتل: كتب سليمان كتابًا وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد، وقال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أهل سبأ [["تفسير مقاتل" 58 ب.]]. وفي قوله: (أَلْقِهِ) أوجه من القراءة؛ أجودها: وصل الهاء بالياء: (فَأَلْقِهِي) [[في قوله تعالى ﴿فَأَلْقِهْ﴾ ثلاث قراءات: == 1 - إسكان الهاء، قرأ بها حمزة، وعاصم وأبو عمرو. 2 - كسر الهاء من غير ياء، قرأ بها نافع في رواية قالون. 3 - كسر الهاء ووصلها بالياء، قرأ بها ابن كثير والكسائي وابن عامر، وورش عن نافع. "السبعة في القراءات" 481. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 150. وجود كسر الهاء مع الياء الزجاج، "معاني القرآن" 4/ 116. واختارها الأزهري، "معاني القراءات" 2/ 241. وقال السمرقندي، في تفسيره 2/ 494: والقراءة بالياء أوسع اللغتين، وأكثر استعمالًا.]]، وترك وصله بالياء إنما يكون في الشعر؛ كقوله: ما حجَّ ربُّهُ في الدنيا ولا اعتمرا [[عجز بيت ذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 387، ولم ينسبه، وصدره: أو مُعْبَرُ الظهر يُنبي عن وَليَّته وهو من شواهد سيبويه، ونسبه لرجل من باهلة. وذكره المبرد، والأنباري، ولم ينسباه. والشاعر يصف لصًا يتمنى سرقة بعير لم يستعمله صاحبه في سفر لحج أو عمرة. ومعبر الظهر: كثير الشعر في امتلاء، والولية: البرذعة، ومعنى: ينبي عن وليته: يجعلها تنبو عنه لسمنه. "الكتاب" 1/ 30، و"الإنصاف" 2/ 516، و"المقتضب" 1/ 38، وحاشيته. والبرذعة والبردعة، بالذال والدال: الحِلس الذي يُلقى تحت الرحل. "تهذيب اللغة" 3/ 357 (برخ)، و"لسان العرب" 8/ 8 وفي "المعجم الوسيط" 1/ 48: ما يوضع على الحمار أو البغل ليركب عليه كالسرج للفرس.]] وأنشد الزجاج: سأجعلُ عينيه لنفْسِه مَقْنَعًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 117، ولم ينسبه، وصدره: فإن يك غثًّا أو سمينًا فإنني ونسبه سيبويه 1/ 28، لمالك بن خريم الهمداني، واستشهد به سيبويه على حذف الياء في الوصل من قوله: لنفسه، للضرورة. وذكره المبرد، في "المقتضب" 1/ 38، ولم ينسبه. وفي حاشيته: يقول الشاعر: إنه يقدم لضيفه ما عنده من القِرى، ويحكّمه فيه ليختار منه أفضل ما تقع عليه عيناه، فيقتنع بذلك.]] قال: ولو قال: لنفسهي، لكسر الشعر ولكنه ترك الياء وأبقى الكسرة لإقامة الوزن، وأكثر ما يقع هذا في الشعر. ومن أسكن الهاء فغالط؛ لأن الهاء ليست مجزومة، وليس له وجه من القياس؛ لأنه يُجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 117. وسياق الكلام فيه يدل على الإثبات، قال: لأن الهاء ليست بمجزومة، ولها وجه من القياس، وهو أنه يجري الهاء في الوصل على حالها في الوقف، وأكثر ما يقع هذا في الشعر أن تحذف هذه الهاء وتُبقي كسرة. وتسكين الهاء قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة، في رواية عنهم. "السبعة في القراءات" 481. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 150.]]، وزعم الأخفش أن هذا لغة كقوله: .. مشتاقانِ لَهْ أَرِقان [[أنشده كاملاً، الأخفش 1/ 179، في تفسير سورة البقرة، وعنه ابن جني، "الخصائص" 1/ 128، ولم ينسباه. وكذا أبو علي في "الحجة" 5/ 387، وحمله المبرد على الضرورة، "المقتضب" 1/ 39. والبيت بتمامه: فَظِلتُ لدى البيت العتيق أُريغهُ ... ومِطواي مشتاقان لَهْ أرقان وفي الحاشية: الأصل: فظللت فحذفت العين، ويجوز فتح الظاء وكسرها، وأريغه: بمعنى: أطلبه، ومطواي: بمعنى صاحباى، مثنى: مطوى، وضمير الغائب للبرق. "المقتضب" 1/ 39. وعند الأخفش: أُخيله بدل: أريغه. والشاهد فيه تسكين الهاء من: له، وحذف حركتها.]] ولم يحك ذلك سيبويه، وحمله على الضرورة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 387. قال علي بن سليمان: لا تلتفت إلى هذه اللغة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن تحذف الإعراب من الأسماء. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 209. وتكلم عن هذا سيبويه 1/ 26.]]. قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: انصرف عنهم [["تفسير مقاتل" 58 ب. و"تفسير هود الهواري" 3/ 252.]]. وقيل: أعرض عنهم. [قال ابن زيد: هذا على التأخير والتقديم، المعنى: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم قول عنهم [[أخرجه ابن جرير 19/ 151، وذكره الثعلبي 8/ 127 ب. وأبو علي، كتاب "الشعر" 1/ 102، ولم ينسبه.]]. قال: لأن رجوعه من عندهم] [[ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).]] والتولي عنهم بعد أن ينظر ما الجواب. قال الزجاج: وهذا حسن، والتقديم والتأخير كثير في الكلام [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 117. واختار هذا الوجه الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 651، وذكره الفراء، "معاني القرآن" 2/ 291. وذهب إلى القول بالتقديم والتأخير الأنباري، "الأضداد" 111. وهذا التقديم والتأخير لا يحتاج إليه؛ لأن الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب، والمعنى: فألقه إليهم ثم قول عنهم قريبًا منهم فانظر ماذا يرجعون. "تفسير الطوسي" 8/ 91.]]. ومن لم يحمل الآية على التقديم والتأخير قال: معناه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ مستترًا من حيث لا يرونك فانظر ما يردون من الجواب [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 117. أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2871، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: كن قريبًا منهم. وأخرجه ابن جرير 19/ 151، عن وهب بن منبه. واختاره الثعلبي 8/ 127 ب.]]. فيقال: إن الهدهد فعل ذلك: ألقى الكتاب وطار إلى كَوَّة [[الكوة: الخرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء. "اللسان" 15/ 236 (كوي).]] في مجلسها متواريًا عنها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 291. فالفرق بين القولين هو في الاستتار عنهم، فالقول الأول يدل على أن الهدهد لم يتوارَ عنهم، والقول الثاني يدل على أنه فعل ذلك. والذي يظهر أن القول الثاني أقرب، ولا حاجة للتقديم والتأخير، فالمعنى بين. والله أعلم.]].