الباحث القرآني

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
قال ابن عباس: وأخبره جبريل أنها خرجت من اليمن مقبلة إليه [[ذكره في "الوسيط" 3/ 377، ولم ينسبه.]]. فقال سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ قال عبد الله بن شداد: كانت بلقيس على رأس فرسخ [[الفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة؛ سمي بذلك لأن صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنه سكن، والفرسخ: السكون. "لسان العرب" 3/ 44 (فرسخ)، والميل مقياس للطول قُدِّر قديمًا بأربعة آلاف ذراع، وهو الميل الهاشمي، وهو بري وبحري؛ فالبري يقدر الآن بما يساوي: 1609 من الأمتار، والبحري بما يساوي: 1852 من الأمتار. "المعجم الوسيط" 2/ 894.]] من سليمان لما قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ وكان ما بينه وبينها كما بين الكوفة والحيرة [[الكُوفة بالضم: العصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، وسميت بذلك: لاستدارتها، وقيل: لاجتماع الناس بها. "معجم البلدان" 4/ 557. وهي جنوب بغداد بحوالي 150 كم. والحيرة: مدينة على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له: النجف. "معجم البلدان" 2/ 376. وهي جنوب الكوفة بحوالي 75 كم.]] وذلك أنه لم يُخبر بمسيرها إليه حتى رأى يومًا رهجًا [[الرَّهَج: الغبار. "تهذيب اللغة" 6/ 52 (رهج).]] قريبًا منه فسأل عنه فقيل: بلقيس يا رسول الله فحينئذ قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ هذا قول وهب بن منبه، وجميع المفسرين [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2882، 2897، عن ابن عباس. وذكره عنه الثعلبي 8/ 129 أ. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شداد، المصنف 6/ 336. وهذا يخالف ما ذكره الواحدي قبل ذلك، واقتصر عليه في تفسيره الوسيط 3/ 377، من أن نبي الله سليمان -عليه السلام- قد أعلمه جبريل بذلك. والله أعلم.]]. واختلفوا في السبب الذي خص سليمان -عليه السلام- العرش بالطلب؛ وقال قتادة: لأنه قد وُصِف له عرشها بالعِظَم فأعجبه ذلك وأحب أن يراه [[ذكره الثعلبي 8/ 129 ب، عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2883، عنه، وليس فيه دلالة على ما ذُكر، بل هو موافق للقول الذي ذكره الواحدي عن مقاتل، وأكثر المفسرين.]]. وقال مقاتل وأكثر المفسرين: أحب سليمان أن يأخذ عرشها قبل أن تُسلِم فلا يحل أخذ مالها [["تفسير مقاتل" 59 ب. و"تفسير هود الهواري" 3/ 254، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2884، عن زهير بن محمد، وعطاء والسدي. وذكره الثعلبي 8/ 129 ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم. واقتصر عليه الواحدي، في "الوسيط" 3/ 378، و"الوجيز" 2/ 804. ولا يخفى ما في هذا القول من البعد؛ لأن نبي الله سليمان عليه السلام لم يكن بحاجة لذلك، وكيف يظن به وهو نبي، وقد أعطاه الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأقرب ما يكون أن نبي الله سليمان عليه السلام أراد أن يُظهر لها عظم ملكه، وأنه من الله. والله أعلم. وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي 8/ 129 ب، فقال: وقيل: ليريها قدرة الله تعالى وعظيم سلطانه. وذكره الواحدى بعد ذلك بمعناه، لكنه لم ينتقد القول السابق.]]. فذلك قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: مخلصين بالتوحيد. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 159.]]. وقال ابن جريج: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بحرمة الإسلام فيمنعنا الإسلام أموالهم [[أخرجه ابن جرير 19/ 161.]]. وقال ابن عباس: ﴿مُسْلِمِينَ﴾: طائعين منقادين [[ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم، بلفظ: طائعين. كتاب التفسير، "الفتح" 8/ 504. وذكره الثعلبي 8/ 129 ب، كذلك. ونسبه الهواري 3/ 254، للكلبي.]]. وعلى هذا يحل له أخذ مالها بعد إتيانها. قال مقاتل: وكان قد أوحي إلى سليمان أنها تأتي مسلمة، فلذلك قال: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [["تفسير مقاتل" 59 ب.]]. فهذان قولان في سبب طلب العرش. وقال ابن زيد: أراد سليمان أن يعاتبها بالعرش ويختبر عقلها [[أخرجه ابن جرير 19/ 160، وفيه: وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم. وذكره الثعلبي 8/ 129ب، عنه بلفظ: أراد أن يختبر عقلها.]]. ويدل على هذا قوله: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ ألَّا يتبين. وقال آخرون: أراد سليمان أن يريها آية معجزة في عرشها ليجعل ذلك حجة عليها، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: طائعين منقادين [[ذكره الثعلبي 8/ 129 ب، ولم ينسبه.]]. كما قال ابن عباس.