الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ الآية، قد ذكرنا أن الشياطين قالت لسليمان: إن رجلها كحافر الحمار. قال ابن عباس: وكان لسليمان ناصح من الشياطين، فقال له: كيف لي أن أرى قدمها من غير أن أسألها كشفه؟ فقال: أنا أهريق لك في هذا الصرح، يعني: القصر ماء، وأبلط فوق الماء بالزجاج، حتى تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدمها. وقال المفسرون: أراد سليمان أن يعلم حقيقة ما قالت الجن، وينظر إلى قدمها وساقها، فهيئ له بيتٌ من قوارير فوق الماء، وأُرسل فيه السمك لتحسب أنه الماء، ووُضع سرير سليمان في صدر البيت، و ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [["تفسير مقاتل" 60 أ، و"تفسير هود الهواري" 3/ 256. وأخرجه ابن جرير 19/ 168، عن وهب بن منبه. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2893، عن ابن عباس، ومحمد ابن إسحاق. وذكره الثعلبي 8/ 130 ب، عن وهب بن منبه. وذكره في "الوسيط" 3/ 379، و"الوجيز" 2/ 805، بمعناه، ولم ينسبه. وأما القول الذي ذكره عن ابن عباس، فلم أجده. ومثل هذا التفصيل مما لم يثبت في الكتاب والسنة؛ يتعين تركه خاصة ما يتعلق منه برغبة نبي الله سليمان عليه السلام رؤية قدمها وساقها.]]. والصرح في اللغة معناه: القصر. قال ذلك أهل اللغة، والتفسير [["مجاز القرآن" 2/ 94. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 325.]]، وهو قول ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 160. و"تنوير المقباس" 319.]]. وقال أبو عبيد: كل بناء موثق من صخر أو غير ذلك فهو صرح [["تهذيب اللغة" 4/ 237 (صرح)، بلفظ: الصرح: كل بناء عال مرتفع، وجمعه: صروح.]]، وأنشد هو وغيره بيت أبي ذؤيب: بهن نَعَام بناها الرجال ... تشبه أعلامهن الصروحا [["مجاز القرآن" 2/ 95، ونسبه لأبي ذؤيب، وعنه الأنباري، "الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 155، وأنشده ابن قتيبة، غريب القرآن 325، واقتصر على الشطر الثاني منه، ولفظه: تحسب أعلامهن الصروحا. وأنشده الأزهري 4/ 237، عن أبي عبيد، بلفظ: تحسب آرامهن الصروحا. وأنشده ابن جرير 20/ 77، كإنشاد أبي عبيدة، ولم ينسبه. وأنشده الغزنوي، "وضح البرهان" 2/ 141، مع بيت آخر بتقديم وتأخير، ولفظه: على طرق كنحور الركا ... ب تحسب أعلامهن الصروحا وهو كذلك في ديوان أبي ذؤيب الهذلي 63.]] قال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام [["مجاز القرآن" 2/ 95.]]. وقال أبو إسحاق: الصرح في اللغة: القصر والصحن، يقال هذه ساحة الدار، وصحنة الدار، وباحة الدار، وقاعة الدار، كله في معنى الصحن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 122.]]. ونحو هذا ذكر ابن قتيبة؛ فقال: الصرح: بلاط اتُّخِذ لها من قوارير، وجعل تحته ماء وسمك [["غريب القرآن" لابن قتيبة 325، ولم ينسبه، وصدره بقول: ويقال. و"تفسير مقاتل" 60 أ، بمعناه.]]. وقال مجاهد: الصرح: بركة ماء، ضرب عليها سليمان قوارير؛ ألبسها [[ذكره البخاري عنه. كتاب التفسير، الفتح 8/ 504. ووصله ابن أبي حاتم 9/ 2893. و"تفسير مجاهد" 2/ 473.]]. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ وهي معظم الماء [["تفسير الثعلبي" 8/ 131 أ، والطوسي 8/ 99، ولم ينسباه. وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 379، و"الوجيز" 2/ 805. وفي "تفسير مقاتل" 60 أ: يعني: غدير الماء. وفي "تنوير المقباس" 319: ماءً غمرًا، يعني: كثيرًا.]]. ولُجَّة البحر حيث لا ترى أرضًا ولا جبلًا [[ومنه قول شمر: لُجُّ البحر: الماء الكثير الذي لا يُرى طرفاه. "تهذيب اللغة" 10/ 494 (لج).]]. ومر الكلام في اللجة عند قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: 40] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو عبيدة: لجي مضاف إلى اللجة، وهو معظم البحر، وقال الليث: بحر لجي واسع اللجة. وقال الفراء: بحر لُجي ولِجي، كما يقال: سُخري وسِخري. وقال المبرد: اللجي العظيم اللجة. ومعناه: كثرة الماء.]]، قال المفسرون: حسبته ماءً [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 122. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2893، عن عبد الله بن شداد.]]. ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ والساق: لكل دابة وشجرة وطائر وإنسان، والأَسْوَق: الطويل عَظْم الساق، والمصدر السَّوَق [["العين" 5/ 190 (سوق)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 9/ 232 (ساق).]]، قال رؤبة: قُبُّ من التَّعداءِ حُقْبٌ في سَوَق [["العين" 5/ 190 (سوق)، ولم ينسبه، وذكره الأزهري 9/ 232 (ساق)، من إنشاد الليث،. وكذا في اللسان 10/ 168. وهو في ديوانه: 106. والأقب: الضامر، وجمعه: قُب. "اللسان" 1/ 658، مادة: قبب.]] ونذكر باقي الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: 33] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية القراءات في قوله تعالى: ﴿بِالسُّوقِ﴾ ولم أجد فيه ما يتعلق بالساق ومعناها في اللغة. والله أعلم.]]، وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42] إن شاء الله [[تكلم الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة القلم عن المراد بالساق في الآية، وذكر أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك. ولم أجد فيه الحديث عن معاني الساق.]]. قال ابن عباس: لما كشفت عن ساقها رأى سليمان قدمًا لطيفًا، وساقًا حسنًا خَدَلَّجًا، أَزَّبَّ [[الخَدَلَّجَة، بتشديد اللام: الممتلئ الذراعين، والساقين. "تهذب اللغة" 7/ 636 (خدج)، واللسان 2/ 248، والأزب: كثير الشعر. اللسان 1/ 213، مادة: أزب.]]، فقال لناصحه من الشياطين. كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة للجسد؟ فدله على عمل النُّورَة [[النُّورَة من الحجر: الذي يُحرق ويسوى منه الكِلْس، ويحلق به شعر العانة. "تهذيب اللغة" 15/ 234 (نور)، واللسان 5/ 244.]]، والحمامات من يومئذ [[بنصه، في "تفسير الوسيط" 3/ 379. وذكر نحوه الثعلبي 8/ 131 ب، عن ابن عباس. وذكره هود الهواري 3/ 257، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير 19/ 169، اتخاذ النورة عن مجاهد، وعكرمة، وأبي صالح. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2894، عن ابن عباس، ومجاهد، والسدي. ومثل هذا القول لا تحتمله الآية، ولا تدل عليه، وهل يليق بنبي أن يتحايل على امرأة لينظر إلى ساقيها، ولذ قال ابن كثير، بعد إيراده هذا القول: في هذا نظر. "البداية والنهاية" 2/ 24. وأولى ما تفسر به الآية: أن سليمان عليه السلام أراد إثبات عظمة ما أعطاه الله من الملك بذلك، ويؤيد هذا أن ما أراده نبي الله سليمان قد وقع وحصل، فعلمت ملكة سبأ أن ملكه أعظم من ملكها، وأنه من الله تعالى، ولذا قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والله أعلم.]]. وقال مقاتل: نظر إليها سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقين وقدمين، ورأى على ساقها شعرًا كثيرًا، فكره سليمان من ذلك، فقالت: إن الرمانة لا تدري ما هي حتى تذوقها، فقال سليمان: ما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم [["تفسير مقاتل" 60 أ. وهذا كلام لا يليق إيراده صبي حق الأنبياء، وكان الأولى بالواحدي أن ينبه على ذلك. والله أعلم.]]. قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: قال سليمان لما رأى ساقها وقدمها، ناداها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أي: مملس بالزجاج، وليس ببحر [["غريب القرآن" لابن قتيبة 325. وذكره في "تفسير الوسيط" 3/ 379، ولم ينسبه.]]. وذكرنا الكلام في الممرد عند قوله: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: 3] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: المريد الذي يتمرد على الله عز وجل. وقال أهل اللغة في المريد قولين؛ أحدهما: أنه المتجرد للفساد، والثاني: أنه العاري من الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل 44] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101].]]. قال مقاتل: لما رأت السرير والصرح، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان، وأن ملكه من الله، فقالت حين دخلت الصرح: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ يعنيِ: بعبادة الشمس ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ وأخلصت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ بالتوحيد ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خرت لله ساجدة، وتابت إلى الله من شركها، فاتخذها سليمان لنفسه، وولدت له داود بن سليمان بن داود، وأمر لها بقرية من الشام لها خراجها، وكانت عذراء فاتخذت الجن الحمامات من أجلها [["تفسير مقاتل" 160. وذكره بنحوه الثعلبي 8/ 131 ب، ولم ينسبه. وذكر زواجها من نبي الله سليمان، وابنُ كثير في "البداية والنهاية" 2/ 24، ووصف هذا القول بأنه، أشهر وأوضح. والله أعلم.]]. وقال النبي -ﷺ-: "كانت من أحسن نساء العالمين ساقين، وهي من أزواج سليمان في الجنة" فقالت عائشة -أم المؤمنين- للنبي -ﷺ-: هي أحسن ساقًا مني؟ فقال النبي -ﷺ-: "أنت أحسن ساقين منها في الجنة" [[ذكره بنصه، مقاتل 60 أ؛ هكذا بدون إسناد. وذكره القرطبي 13/ 210، وصدره بقوله: وفي بعض الأخبار، وعزاه للقشيري.]]. فكان سليمان يسير بها معه إذا سار، هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 60 ب.]]. وقال محمد بن إسحاق: أدخلها سليمان الصرح ليريها ملكًا وسلطانًا هو أعظم من سلطانها، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله تعالى فأسلمت، وحسن إسلامها، فقال لها سليمان حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلاً أزوجكه، فقالت: ومثلي يا نبي الله ينكِح الرجال؟ وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان! قال: نعم؛ إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، فقالت: زوجني إذا كان ذلك: ذا تُبَّع، ملك همدان، فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن [[أخرجه ابن جرير، في التاريخ 1/ 494، من طريق ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه. وذكره الثعلبي 8/ 131 ب، بطوله. وكل ما ذكر في هذا مما لا دليل عليه، والأحسن أن يقال ما ذكره الواحدي بعد ذلك عن عبد الله بن عتبة.]]. وقال عون بن عبد الله: جاء رجل إلى عبد الله بن عتبة فسأله: هل كان سليمان تزوجها؟ قال: عهدي بها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2898. واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 379. وهذه إجابة حسنة توقف ما في النفوس من التطلع عما سكت عنه القرآن، مما لا فائدة من العلم به.]]. يعني: أنه لا يعلم ذلك، وآخر ما سمع من حديثها أن قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾.