الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ لفظٌ يصلح أن يراد به مثال الماضي، ويصلح أن يراد به مثال الأمر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 394، وفيه: ألا ترى أنك تقول: تقاسموا أمسِ، إذا أردت الماضي، وتقاسموا غدًا، إذا أردت به الأمر. وذكر هذا القول الثعلبي 8/ 132 أ.]]. وفي قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ و: ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ وجهان من القراءة؛ أحدهما: التاء وضم اللام من الفعلين على مخاطبة الجماعة [[أي: ضم التاء من: (لنبيتُنه) وضم اللام من: (لنقولُن).]]. والثاني: النون وفتح اللام على إخبار الجماعة عن أنفسهم [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم، بالنون في الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي، بالتاء في الموضعين. "السبعة في القراءات" 483، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 394، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 338، قال النحاس: وهذا أحسن ما قرئ به هذا الحرف؛ لأنه يدخل فيه المخاطبون في اللفظ والمعنى. "إعراب القرآن" 3/ 215.]]، فمن قرأ بالتاء كان قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ والمعنى: قال بعضهم لبعض: احلفوا لتهلكن صالحًا، وجعل: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ جوابًا لتقاسموا؛ لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تُتَلقى بما تُتَلقى به الأيمان، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] و: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى﴾ [فاطر 42] ومن قرأ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون جاز أن يكون: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ أمرًا؛ كأنهم قالوا: أَقْسِموا لنفعلن كذا وكذا [[وكذا. في نسخة: (ب).]]، والذين أمروهم بالقسم داخلون معهم في الفعل، ألا ترى أنك تقول: قوموا نذهبْ إلى فلان، ويجوز على هذا الوجه من القراءة أن يكون قوله: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ خبرًا، والمعنى: قالوا متقاسمين لنفعلن كذا. وهذا قول الفراء، والزجاج، وأبي علي [["معاني القرآن" للفراء 2/ 296. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 123. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 394.]]. ومعنى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ بياتًا. قاله ابن عباس [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2902. و"تفسير مقاتل" 60 ب.]]. ومضى تفسير البيات عند قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] [[أحال الواحدي في تفسير البيات عند هذه الآية على الآية 81، من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ وفيها قال الوا حدي في تفسير البيات: قال الزجاج: كل أمر فكر فيه، وخيض فيه بليل، فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد .. وهو قول أبي عبيدة وأبي العباس، وجميع أهل اللغة.]]. قوله: (وَأَهْلَهُ) قال ابن عباس: يريدون بني عبيد، وكانوا آمنوا معه [[قال الحسن: أهله: أمته الذين على دينه. تفسير الهواري 3/ 258.]]. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قال مقاتل: يعني: ذا رحم صالح، إن سألونا عنه [["تفسير مقاتل" 60 ب.]]. وقال ابن عباس: يريدون قومه ولد عبيد، وهم: نفر من ثمود ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ما قتلناه وما ندري من قتل صالحًا وأهله [["تفسير مقاتل" 60 ب.]]. والمهلك يحتمل أمرين: يجوز أن يكون إهلاك أهله، ويجوز أن يكون الموضع [["إعراب القرآن" للنحاس 3/ 215.]]. وروى أبو بكر عن عاصم: (مَهلَك) بفتح الميم واللام يريد: الهلاك، يقال: هلك يهلك مَهلَكًا، كما أن المصدر في: ضرب، يضرب مَضرَبًا بفتح الراء، ولكون المصدر مضافًا إلى الفاعل؛ كما تقول: هلاك أهله. وحكي أنه يقال: هلك بمعنى: أهلك، في لغة تميم، فيكون المهلَك على هذا مصدرًا مضافًا إلى المفعول به، وروى حفص بفتح الميم وكسر اللام ﴿مَهْلِكَ﴾ فيجوز أن يكون اسم المكان على: ما شهدنا موضع هلاكهم ومكانه فيكون المهلِك: كالمجلس في أنه يراد به موضع الجلوس، ويجوز أن يريد به المصدر؛ لأنه قد جاء المصدر من فَعَل يفعِل على مَفْعِل؛ كقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: 55] و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، والأول أكثر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 395. في قوله تعالى ﴿مَهْلِكَ﴾ ثلاث قراءات: 1 - قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (مَهلَك) بفتح الميم واللام. 2 - وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿مَهْلِكَ﴾ بفتح الميم وكسر اللام. 3 - قرأ الباقون (مُهلَك) بضم الميم، وفتح اللام. "السبعة في القراءات" 438. قال ابن خالويه: فمن ضم جعله مصدرًا من أهلك مُهلَكًا، مثل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء80] ومن كسر اللام أو فتحها جعله مصدر: هلك ثلاثيًا لا رباعيا. "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 154.]]. قال أبو إسحاق: وكان هؤلاء النفر تحالفوا أن يبيتوا صالحًا ويقتلوه وأهله في بياتهم، ثم ينكرون عند أولياء صالح أنهم شهدوا مهلكه، ومهلك أهله، ويحلفون إنهم لصادقون، وكان هذا مكرًا عزموا عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 124.]].