الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
قوله تعالى ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ وقرئ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ بالفتح [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمرة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بكسر الهمزة. "السبعة في القراءات" 484، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 396. و"النشر فى القراءات العشر" 2/ 338.]]. قال الفراء: مَنْ كَسَرَ استأنف، وهو يُفَسَّرُ به ما كان قبله؛ مثل قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: 24، 25] [[الشاهد من الآية قراءة الكسر في: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ قرأ بها ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر. "السبعة في القراءات" 672، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 398.]]. ومن فتح رده على إعراب ما قبله، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع بجعلها متابعة للعاقبة [[أي: بدل كل، كما سيأتي ذكره عن أبي علي.]]، وإن شئت جعلتها نصبًا من جهتين؛ إحداهما: أن تردها على موضع (كَيْفَ) [[على أن ﴿كَيْفَ﴾ مفعول به.]]، والأخرى: أن تكون خبر (كَانَ) على معنى: كان عاقبة مكرهم تدميرَنا إياهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 396، وفيه: والأخرى أن تكُرَّ ﴿كاَنَ﴾ .. وفي الحاشية: أي تنوي تكرارها. قال النحاس عن هذا الوجه: وهذا متعسف. ثم ذكر خمسة أوجه في فتح الهمزة. وقال عن الوجه الأول: وهذا لا يحصَّل؛ لأن كيف للاستفهام، و ﴿أَنَاْ﴾ غير داخل في الاستفهام. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 215.]]. قال أبو علي: من كسر (إِنَّا) فهو استئناف وتفسير للعاقبة، كما أن قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 9] تفسير للوعد [[يعني به المذكور في صدر الآية؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فجملة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ جملة تفسيرية للوعد.]]، وتكون: كان، التي بمعنى: وقع [[أي: كان التامة، التي لا اسم لها ولا خبر.]]، والمعنى: فانظر على أي حال وقع عاقبة مكرهم؛ أي: أحسنًا وقع عاقبة مكرهم [[في نسخة: ب: أمرهم.]] أم سيئًا، ومن فتح جاز أن يكون: (كَانَ) على ضربيها فإن حملته على: وقع، جاز في (أَنَّا) أمران؛ أحدهما: أن يكون بدلاً من قوله: ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ والثاني: أن يكون محمولاً على مبتدأ مضمر؛ كأنه: هو أنا دمرناهم، أو ذاك أنا دمرناهم. وإن حصلت (كَانَ) على المقتضية الخبر جاز في: (أَنَّا) أمران؛ أحدهما: أن يكون بدلاً من اسم كان الذي هو العاقبة، وإذا حملته على ذلك كان (كَيْفَ) في موضع خبر كان، [والآخر: أن يكون خبرَ كان [[أي: جملة ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ التي كانت في الوجه الأول بدلاً من العاقبة.]]، ويكون موضعه نصبًا بأنه خبر كان] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] كأنه كان عاقبة مكرهم تدميرَهم، ويكون: (كَيْفَ) في موضع حال [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 396، بتصرف.]]. قال أبو إسحاق: من قرأها بالكسر كان المعنى: (فَانْظُرْ) أي شيء ﴿عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ثم فسر فقال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ فدل على أن العاقبة: الدمار، ومن قرأ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أضمر في الكلام شيئًا، على تقدير: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: أنا دمرناهم، فتكون (أَنَّا) في موضع رفع على هذا التفسير [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 124.]]. واختلف قول المفسرين في كيفية هلاك هؤلاء النفر؛ فقال ابن عباس: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه فأتى التسعة دار صالح شاهرين [[شاهرين. في نسخة (ج).]] سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة، ولا يرون الملائكة فقتلتهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 132 ب، ونسبه لابن عباس، وفيه: أرسل الله عز وجل الملائكة ليلاً فامتلأت بهم دار صالح. وذكره الهواري 3/ 258، ولم ينسبه. ونحوه عند ابن جرير 19/ 173، من كلام ابن إسحاق.]]. وهذا قول الكلبي. وقال قتادة: سلط الله عليهم صخرة فدمغتهم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2902. واقتصر عليه الزجاج 4/ 124، ولم ينسبه. وذكره عنه الثعلبي 8/ 132 ب.]]. وقال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضًا؛ ليأتوا دار صالح فجثم عليهم الجبل، فأهلكهم [["تفسير مقاتل" 60 ب. وليس فيه ذكر سفح الجبل. وقد ذكره عنه بهذا اللفظ الثعلبي 8/ 132 ب.]]. وقال السدي: خرجوا ليأتوا صالحًا، فنزلوا جُرُفًا [[الجُرُف: ما ينجرف بالسيول من الأودية غريب القرآن لابن قتيبة 192. وضم الراء وكسرها وجهان؛ وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ "السبعة في القراءات" 318. وكَمِن له، كنَصَر وسمِع، كُمونًا: استخفى. القاموس المحيط 1584 (كمن).]] من الأرض يكمنون فيه فانهار عليهم [["تفسير الثعلبي" 8/ 132 ب، وفيه: فنزلوا خرقا. أخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2903، عن عبد الرحمن بن زيد.]]. وقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني: بصيحة جبريل [["تفسير مقاتل" 60 ب.]].