الباحث القرآني

أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ قال مقاتل: مستقرًا لا تميد بأهلها [["تفسير مقاتل" 161. و"تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب، ولم ينسبه.]] ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ فيما بينها [["تفسير ابن جرير" 20/ 3. وقال الثعلبي 8/ 133 ب: وسطها.]] ﴿أَنْهَارًا﴾ كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف 33]. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ قال ابن عباس: يريد الجبال الثوابت أَثْبَتَ بها الأرض [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2809، عن قتادة وذكره الثعلبي 8/ 133 ب، ولم ينسبه.]]. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ قال: يريد قضاء من قضائه، وسلطانًا من قدرته، حجز بين العذب والمالح، فلا المالح يغير العذب، ولا العذب يغير المالح. وهذا قول أكثر المفسرين [["تفسير مقاتل" 61 ب. وتفسير الهواري 3/ 260. و"تفسير ابن جرير" 20/ 3. و"تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب. وظاهر الآية أنه حاجز بين البحرين؛ ولم يقيد أحدهما بالعذب فيبقى على أصله، ومثله في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. وهو يختلف عز الحاجز المذكور في سورة الفرقان في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا == وَحِجْرًا مَحْجُورًا}. انظر: "مجلة الإعجاز" 44، العدد الثالث، ربيع الثاني 1418هـ.]]. ومعنى الحجز في اللغة: المنع. قال أبو إسحاق: حجز بينهما بقدرته فلا يختلط العذب بالملح [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 127، بلفظ: العذب بالملح. وهو موافق لنسخة: (ب)، (ج) وفي نسخة (أ): (بالمالح).]]. وقال أهل المعاني: ويكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه، وفيه دليل على أن الله تعالى قادر على كف النار عن الحطب حتى لا تحرقه، ولا تسحقه، كما كف الماء الملح عن العذب المجاور له أن يختلط به. وقال السدي: قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ هي البرزخ، وهو الحجر المحجور، وهو بحر الشام وبحر العراق والناس فيما بينهما؛ وعلى هذا معنى الحاجز بين البحرين: الجزائر والأرض والبلاد كما بين بحر فارس وبحر الروم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2809، عن الحسن. وذكره الثعلبي 8/ 133 ب، ولم ينسبه، وصدره بـ: قيل. وهذا مخالف لظاهر الآية، فسياقها في بيان القدرة؛ وهي في الاختلاط وعدم التمازج أظهر. والله أعلم. وقد أثبتت الدراسات البحرية انتشار هذه الحواجز بين ملتقى الأبحر. انظر: "مجلة الإعجاز" 44، العدد الثالث، ربيع الثاني 1418 هـ. وبحر فارس هو الخليج العربي، وسمي بذلك لسيطرة الإمبراطورية الفارسية عليه. ويسمى بحر العراق. "أطلس تاريخ الإسلام" 44، 46. وبحر الروم هو البحر المتوسط، سمي بذلك لسيطرة الإمبراطورية الرومانية عليه قبل ظهور الإسلام. ويسمى بحر الشام. "أطلس تاريخ الإسلام" 44، 45.]]. والناس على القول الأول. قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ ربهم، وسلطانَه وقدرته. قاله ابن عباس ومقاتل [["تفسير مقاتل" 61 ب.]]. وقال أهل المعاني: لا يعلمون ما لهم وما [[(ما) ليست موجودة في النسخ الثلاث، وزدتها لتمام المعنى.]] عليهم في العبادة إن أخلصوها أو أشركوا فيها [[لم أجده في كتب المعاني الموجودة لدي.]].