الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
قال الله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ يقال: رَدِفَه يَرْدِفه [[يردفه في نسخة (ج).]] رِدْفًا؛ إذا تبعه. قال أبو زيد: يقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأردفَته؛ إذا ركبت خلفه، وأنشد: إذا الجوزاء أردفت الثريا [["تهذيب اللغة"14/ 96 (ردف)، من إنشاد أبي زيد، ونسب إلى خزيمة القضاعي، وعجزه: ظننت بآل فاطمة الظنونا وأنشده في "لسان العرب" 9/ 115، ونسبه لخزيمة بن مالك بن نَهْد.]] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: اختلف أهل اللغة في: ردف وأردف؛ والأكثرون على أنهما بمعنى واحد .. وفصل آخرون بينهما؛ فقال الزجاج: ردفت الرجل إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل إذا جئت بعده. وقال شمر: ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير.]]. قال ابن عباس في معنى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ قرب لكم [[ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم بلفظ: اقترب. "فتح الباري" 8/ 504. ووصله ابن جرير 20/ 9، من طريق علي بن أبي طلحة، بلفظ: اقترب لكم.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 62 أ.]]. وقال السدي: اقترب لكم [[أخرجه ابن جرير 20/ 9، عن الضحاك. وابن أبي حاتم 9/ 2917، عن مجاهد.]]. وقال قتادة: أزف لكم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2917، عن مجاهد.]]. وقال الكلبي: دنا لكم [["تنوير المقباس" 321، وذكره الثعلبي 8/ 134 ب، ولم ينسبه.]]. وهذه ألفاظ معناها واحد. قال الفراء: فكأن اللام دخلت إذ كان المعنى: دنا، كما قال الشاعر: فقلتُ لها الحاجاتُ يطرحنَ بالفتى ... وهمٌّ تعنَّاني مُعَنّى ركائبُهُ [[أنشده الفراء، ولم ينسبه. "معاني القرآن" 2/ 299، وأنشده كذلك ابن جرير 20/ 10، وهو في "لسان العرب" 15/ 106، غير منسوب، وفيه: عانى الشيء: قاساه، والمعاناة: المقاساة، يقال: عاناه، وتعناه، وتعنى.]] فأدخل الباء في الفتى؛ لأن معنى: يطرحن: يرمين، وأنت تقول: رميت بالشيء وطرحته. قال: وتكون اللام داخلة، والمعنى: ردفكم، كما تقول العرب: نفذت له مائة، أي: نفذته [[في نسخة: (ب)، (ج): نقدت، في الموضعين. وفي: ب: نفذت. وهو موافق لما عند الفراء 2/ 300، بلفظ: نفذت له مائة، وهو يريد: نفذتها مائة. ولا ينبني على هذا الفرق اختلاف في المعنى المقصود. ونقل هذا القول عن الفراء، ولم يسمه، ابن جرير 20/ 9، واختاره.]]. وهذا قول الأخفش والزجاج والمبرد؛ قالوا: المعنى: ردفكم، فزيدت اللام توكيدًا كما زادوها في: لا أبا لك، و: يا بؤس للحرب [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 651. و"المقتضب" 2/ 37. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 128. وليس فيها ذكر قول: لا أبا لك ويا بؤس للحرب.]]، ومثله في كتاب الله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ﴾ [الزمر: 12] أي: أمرت أن أكون، وبأن أكون [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 651.]]. وقال أبو الهيثم يقال: رَدِفْت فلانًا، ورَدِفتُ لفلانٍ، أي: صرت له رِدْفًا. قال: وتزيد العرب اللام مع الفعل الواقع في الاسم المنصوب فتقول: سمع له، وشكر له، ونصح له، أي: سمعه وشكره ونصحه [["تهذيب اللغة" 14/ 96 (ردف).]]. وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ فقال الكسائي: لما تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام، قال: وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت، فمات، ولو قلت: أكرمت لك، تريد: أكرمتك كان قبيحًا، وهو جائز؛ كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك، وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد. قال النحويين: لما تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى فأدخل اللام .. فعلى هذا اللام في قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ صلة == وتأكيد، كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] .. وقال بعضهم: إنها لام أجل؛ والمعنى: هم لأجل ربهم ﴿هُدًى﴾ لا رياء ولا سمعة.]]. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فأما اللام في قوله: [رُّؤْيَا] فقال أحمد بن يحيى: أراد: إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمى هذه اللام لام التعقيب؛ لأنها عقبت الإضافة المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا. وقال ابن الأنباري: دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد. وقيل: إنها أفادت معنى: إلى، وكأن ملخصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا. ثم أحال على سورة الأعراف [154] في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.]]. وقال مجاهد في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ عجل لكم [["تفسير مجاهد" 2/ 475، وأخرجه ابن جرير 20/ 10، بلفظ: أعجل لكم، وبلفظ: أزف. وذكر الهواري 3/ 263، عن مجاهد: اقترب لكم. وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 9/ 2917.]]. وعن ابن عباس: حضركم [["تفسير الثعلبي" 8/ 134 ب.]]. وقال ابن قتيبة: تبعكم [["غريب القرآن" لابن قتيبة 326.]]. وقال الزجاج: معناه في اللغة: ركبكم وجاء بعدكم [[في "مجاز القرآن" 2/ 96: جاء بعدكم.]]. ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر نبيه -عليه السلام- أن يقول للذين يستعجلون العذاب: إن بعض ما تستعجلون من العذاب قد دنا لكم. قال المفسرون: فكان بعض الذي دنا لهم القتل ببدر، وسائر العذاب لهم فيما بعد الموت [["تفسير مقاتل" 62 أ، بنصه. و"تفسير الثعلبي" 8/ 134 ب، ولم ينسبه. وذكر الهواري 3/ 263، عن الحسن: بعض الذي تستعجلون من عذاب الله، يعني: قيام الساعة التي يهلك الله بها آخر كفار هذه الأمة.]]. ثم ذكر فضله في تأخير العذاب؛ فقال: