الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ قال الفراء (أَن) في موضع نصب إذا أضمرت اسم موسى في (نُودِيَ) وإن لم تضمر اسم موسى كانت (أَن) في موضع رفع. ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 286. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 109.]]. وقوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الفراء: العرب تقول: باركه الله، وبارك عليه، وبارك فيه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 286. وذكره النحاس، عن الكسائي. "إعراب القرآن" 3/ 199.]]، قال الشاعر: فبوركت مولودًا وبوركت ناشئًا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أَشْيَبُ [["تفسير الثعلبي" 8/ 121 أ، ولم ينسبه. وعنه القرطبي 13/ 158. وذكره أبو حيان 7/ 54، ولم ينسبه. والبيت للكميت، يمدح فيه النبي -ﷺ- "شرح هاشميات الكميت" 61.]] والمعنى: بورك فيمن في النار، أو على من في النار. وقال آخر: بورك الميتُ الغريبُ كما بورِكَ ... نَظْمُ الرُّمان والزيتون [[أنشده الزجاج 4/ 45، ولم ينسبه. بلفظ: نظم، واستشهد به على أنه ليس شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وذكره البغدادي، "خزانة الأدب" 10/ 467، بلفظ: نضح، وبلفظ: غصن الريحان، ونسبه لأبي طالب؛ عم النبي -ﷺ- من قصيدة له يرثي بها مسافر بن أبي عمرو. ديوان أبي طالب 93.]] واختلفوا فيمن في النار؟ فالأحسن: أن الآية من باب حذف المضاف على تقدير: بورك من في طلب النار، وهو موسى عليه السلام، وكأنه تحية من الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيمَ بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73] [["تفسير الثعلبي" 8/ 120 ب. ولم ينسبه. واقتصر على هذا القول في "الوسيط" 3/ 369، و"الوجيز" 2/ 800. وجعله الرازي 24/ 182، أقرب الأقوال. واقتصر عليه ابن عاشور 19/ 226.]]. وقال أبو علي: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ مَنْ في قرب النار ليس يراد به: متوغلها. وقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة في قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: قُدِّس من في النار، وهو الله سبحانه؛ عني به نفسه [[أخرجه ابن جرير 19/ 133، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2845، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله ابن الإمام أحمد، كتاب السنة 1/ 300، رقم: 582. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك. وعن الحسن بلفظ: هو النور. وهو موافق لما عند ابن جرير. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية مقررًا له. مجموع الفتاوى 5/ 461. ومن الروايات التي ذكرها شيخ الإسلام عن ابن أبي حاتم رواية سعيد بن أبي مريم ثنا مفضل ابن أبي فضالة حدثني ابن ضمرة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: إن موسى كان على شاطئ الوادى -إلى أن قال- فلما قام أبصر النار فسار إليها، فلما أتاها ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: إنها لم تكن نارًا ولكن كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله. وعلى هذا فلا وجه لرد هذه الأخبار أو تأويلها كما فعل بعض المفسرين؛ كالرازي 24/ 182، وابن جزي 502، وأبي حيان 7/ 54. وتوجيه الواحدي لهذا القول توجيه حسن. وذكر الألوسي عن الشيخ: إبراهيم الكوراني، تصحيحه لخبر ابن عباس، وأنه لا يحتاج إلى تأويل، وأن معناه ظاهر.]]. وعلى هذا إسناد البركة إلى الله كقوله: تبارك الله، وقد ذكرناه. والمراد بالنار هاهنا: النور، وذلك أن موسى رأى نورًا عظيمًا فظنه نارًا لذلك ذكرها هنا بلفظ النار [["الوسيط" 3/ 369، وصدره بقوله: ومذهب المفسرين. ونقله عنه الشوكاني 4/ 122، ولم يعترض عليه. وذكره الماوردي 4/ 195، ولم ينسبه. واقتصر عليه ابن كثير 6/ 179، وذكر عن ابن عباس، أنه قال: نور رب العالمين. وأخرجه ابن جرير 19/ 134، بلفظ: يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة. ثم ذكر ابن كثير بعد ذلك حديثَ أَبِي مُوسَى؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ- (إِنَّ الله لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيرْفَعُهُ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أخرجه ابن ماجه 1/ 71، المقدمة، رقم: 196. ومسلم 1/ 162، كتاب الإيمان، رقم: 179. دون ذكر الآية. وصححه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 39، رقم: 162. وجوَّد إسناده محقق مسند أبي يعلي الموصلي 13/ 245. قال السيوطي: أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب، قال: النار: نور الرحمن. "الدر المنثور" 6/ 341. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها. "تفسير البغوي" 6/ 145، ثم قال البغوي والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث (حجابه النار). وهي رواية للحديث السابق أخرجها الإمام أحمد، مسند الكوفيين، رقم: 19090. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- صحة هذا التأويل، ولا يلزم من القول به لوازم باطلة فإن الله تعالى قد أخبر بنفسه عن نفسه بذلك كما أخبرنا عن تجليه سبحانه وتعالى للجبل فقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] والله أعلم.]]، والمعنى: بورك الله الذي في النار، وحسن هذا؛ لأنه ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار [["التبيان في تفسير القرآن" 8/ 77.]]. وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: جاء الله من سيناء يعني: بعث الله موسى من سيناء حتى يدعو الخلق إليه، ويعرفهم توحيده ودينه وشرائعه، فلما عرفوا بعثة موسى من سيناء قيل: جاء الله من سيناء، كذلك لما ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، وصف بأنه في النار؛ على معنى: أنه عُرف منها [["تفسير الثعلبي" 8/ 120 أ. قال النيسابوري في وضح البرهان 2/ 138: وفي التوراة: جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. أي: من هذه المواضع جاءت آياته، وظهرت رحمته حيث كلم موسى بسيناء، وبعث عيسى من ساعير، ومحمدًا من فاران جبال مكة. "وضح البرهان" 2/ 138.]]. وقال بعضهم: على هذا القول تقدير الآية: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ سلطانه وقدرته، فحذف للإحاطة [["تفسير الثعلبي" 8/ 120ب.]]. وروي عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: معناه: وبوركت النار [["تفسير مجاهد" 2/ 469. وفيه: قال مجاهد: وكذلك قال ابن عباس. وهو كذلك عند ابن جرير 19/ 134، وابن أبي حاتم 9/ 2845.]]. والتبرك عائد إلى النار. وهذا يكون على قراءة [أبيِّ، فإنه كان يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها [[أخرجها ابن أبي حاتم 9/ 2846. وذكرها الثعلبي 8/ 120 ب. قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير. "إعراب القرآن" 3/ 199. وذكر هذه القراءة ابن جني، بلفظ: تباركت الأرض. "المحتسب" 2/ 134. واختار هذا القول لهذه القراءة الزمخشري 3/ 338. وذكره أبو السعود 6/ 273، وصدر غيره بـ: قيل. واختاره البيضاوي 2/ 171. والبرسوي 6/ 321، قال: أي: من في مكان النار، وهو البقعة المباركة. ورجح هذا القول شيخنا: عبد الله الوهيبي، في تحقيقه لتفسير العز بن عبد السلام 2/ 457، مع أن العز لم يذكر هذا القول. وأما قول السعدي 5/ 562: أي: ناداه الله تعالى وأخبره أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته أن جعله موضعًا لتكليم الله لموسى وإرساله. فإنه لا يلزم منه نفي ما عداه من الأقوال إذ لم يصرح بذلك. والله أعلم. وقد ذكر القاسمي == 13/ 58، هذه الأقوال كلها ولم يرجح. لكنه قدم القول الذي اختاره الزمخشري، وقدمه أيضًا المراغي 19/ 123.]]. ولا يتوجه قول مجاهد على قراءة] [[ما بين المعقوفين غير موجود في نسخة (ج).]] العامة. وقال السدي: كان في النار ملائكة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2846، عن السدي. وذكره عنه الماوردي 4/ 195.]]. فعلى هذا ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة [[وذكر هذا القول النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 138، ولم ينسبه.]]. وروي أيضًا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ نور الله [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 79. وابن جرير 19/ 134، عن قتادة بلفظ: نور الله بورك. وعن الحسن بلفظ: هو النور. وذكره الزجاج 4/ 109، ولم ينسبه.]]. وعلى هذا تكون: (مَن) بمعنى: ما، والله تعالى خلق نورًا في النار التي رآها موسى فكانت نارًا ونورًا [[حكى هذا القول الماوردي 4/ 195، والنيسابوري 2/ 138، ولم ينسباه.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هم الملائكة وموسى، في قول الجميع [[هما قولان، الأول: الملائكة، "تفسير مقاتل" 57 أ، و"تفسير هود الهواري" 3/ 247، وأخرجه عبد الرزاق 2/ 79، عن الحسن، وأخرجه ابن جرير 19/ 135، عن ابن عباس، والحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2847، عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة. وأخرجه عن ابن عباس، عبد الله بن الإمام أحمد، كتاب السنة 1/ 300، رقم: 582. وذكره الفراء 2/ 286، ولم ينسبه. والثاني: موسى والملائكة، أخرجه ابن جرير 19/ 135، وابن أبي حاتم 9/ 2846، عن محمد بن كعب. وذكره الثعلبي، 8/ 121 أ، ولم ينسبه. والقولان في "تنوير المقباس" 316، و"تفسير الماوردي" 4/ 195. ونسبه ابن عطية 11/ 172، للحسن، وابن عباس. وذكر ابن الجوزي 6/ 155، قولًا ثالثًا، وهو: موسى فقط. والمعنى: بورك فيمن يطلبها وهو قريب منها. وذكر هذا القول العز في "تفسيره" 2/ 457.]]. وذلك أنه كان حول ذلك النور الذي رأى موسى ملائكةٌ، لهم زَجَل بالتسبيح والتقديس [["تفسير الوسيط" 3/ 369. و"تفسير البغوي" 6/ 145، ولم ينسبه. والزَجَل: رفع الصوت الطَرِب. "تهذيب اللغة" 10/ 616 (زجل).]]. وقال أبو علي: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ومن لم يقرب منها قرب الآخذ فيها وهو موسى. يعني: أن موسى هو الآخذ منها، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: 101] لم يَقرب المنافقدن الذين حولهم قرب المخالِطين لهم؛ حيث يحضرونهم ويشهدونهم في مشاهدهم [[هكذا في نسخة (ج). وفي نسخة أ: لم يقرب المنافق الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم. وفي نسخة ب: لم يقرب المنافقون الذي حولهم قرب بالمخاطبين لهم.]]. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه [["تنوير المقباس" 316، وذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 369، ولم ينسبه. وذكره الماوردي 4/ 195، عن السدي، من كلام موسى عليه الصلاة والسلام.]].