الباحث القرآني

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [[خروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى التي ذكرها النبي -ﷺ-، عندما اطلع على أصحابه وهم يتذاكرون، فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم". أخرجه مسلم 4/ 2225، كتاب الفتن، رقم 2901، والترمذي 4/ 414، كتاب الفتن، رقم 2183.]]. قال ابن عباس: حق العذاب عليهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 13، وابن أبي حاتم 9/ 2922، كلاهما عن مجاهد.]]. وقال مقاتل: وإذا نزل العذاب بهم [["تفسير مقاتل" 62 أ.]]. ونحو هذا قال جماعة المفسرين [["تفسير مجاهد" 2/ 475، و"تفسير الهواري" 3/ 265. وأخرج ابن جرير 20/ 13، عن قتادة: وجب القول عليهم.]]. قال الفراء معناه: وجب السَّخَط عليهم. وذكرنا وقع بمعنى: وجب [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: 71]: يقال: وقع القول والحكم إذا وجب، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: 82] معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] أي: أصابهم ونزل بهم، وأصله من الوقوع بالأرض؛ يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت الإبل إذا بركت.]]، وهذا كقوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 300، دون قوله: وذكرنا وقع بمعنى. وذكره الثعلبي 8/ 135 أ، ولم ينسبه وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2922، عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ قال: السخط. وقال ابن قتيبة: وجبت الحجة. "غريب القرآن" 327.]] [القصص 63، الأحقاف 18]. والمعنى: حق ووجب أن ينزل بهم ما قال الله، وحكم به من عذابه وسخطه عليهم. والكناية في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ للكفار الذين تخرج عليهم الدابة، وجازت الكناية عنهم؛ لأن ذكر الكفار قد سبق، وهؤلاء من جنس أولئك. وقوله: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عمر وعطية: وذلك حين لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 85، وابن أبي حاتم 9/ 2921، كلاهما عن عطية بن سعد عن ابن عمر. وأخرجه ابن جرير 20/ 14، عن ابن عمر، وعطية. وكذا الثعلبي 8/ 135 أ.]]. وروي عن حفصة بنت سيرين [[حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقهية، الأنصارية، البصرية، ثقة، روت عن أم عطية، وأم الرائح، وعن مولاها أنس بن مالك، وعن أبي العالية، وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وأيوب، وابن عون، وغيرهم. ماتت بعد المائة. "سير أعلام النبلاء" 4/ 507، و"تقريب التهذيب" 1349.]] أنها سألت أبا العالية عن هذه الآية، فقال لها مجيبًا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: 36] [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 83 وابن جرير 20/ 13. وابن أبي حاتم 9/ 2922. وليس في أسانيد الثلاثة مخلد بن الحسين.]]. قال مخلد بن الحسين [[مَخْلَد بن الحُسين، الأزدي، أبو محمد البصري، ثقة فاضل، حدث عن موسى بن عقبة، وهشام بن حسان، ويونس بن زيد، والأوزاعي، وغيرهم، وحدث عنه: الحسن بن الربيع، وموسى بن أيوب، وغيرهم. ت: 191هـ "سير أعلام النبلاء" 9/ 236، وتقريب التهذيب 927.]] -راوي [[هكذا في نسخة: ج، وفي: أ، ب: رأي.]] هذا الحديث- يعني: أنه لا تخرج الدابة حتى لا يبقى أحد يريد أن يؤمن [[ذكر نحو هذا النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 221. ولم يذكر قول مخلد بن الحسين. وهذا مثال على نقل الواحدي عن النحاس.]]. قال ابن عمر: وتخرج الدابة من صَدْع في الصفا [[أخرجه ابن جرير 20/ 14. وابن أبي حاتم 9/ 2925. والثعلبي 8/ 136 أ. قال مقاتل 62 أ: تخرج من الصفا الذي بمكة.]]. وهو قول أكثر المفسرين؛ قالوا: تخرج الدابة من أرض مكة [[أخرج ذلك عبد الرزاق 2/ 84، عن حذيفة بن اليمان، وإبراهيم النخعي. وابن جرير 20/ 14، عن حذيفة، وعبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2925، عن عبد الله بن عمرو، ولا تعارض بين القولين، فإن الصفا من أرض مكة، والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [قال مقاتل: تكلمهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] بالعربية [["تفسير مقاتل" 62 أ. واقتصر عليه الواحدي في "الوسيط" 3/ 385، و"الوجيز" 809. وتخصيص مقاتل كلامها باللغة العربية؛ لأنه قيد الناس بأهل مكة. وظاهر الآية أعم من ذلك. وممن ذهب إلى أن المراد في الآية تحدثهم، ولم يقيده بلغة: السمرقندي 2/ 505. أخرج ابن جرير. 20/ 16 وابن أبي حاتم 93/ 2926، عن ابن عباس، من طريق == علي بن أبي طلحة: تحدثهم. وكذا عن قتادة. وذكر ابن جرير قراءة: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ونسبها لأبي زرعة بن عمرو، ثم قال: والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه عامة قراء الأمصار. ولعل من هذا جَزَمَ ابن كثير 6/ 210، أن القول بأن الدابة تكلمهم فتقول لهم: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾؛ اختيار ابن جرير، ثم قال ابن كثير بعد ذلك: وفي هذا القول نظر لا يخفى. والله أعلم. وقال ابن عباس في رواية: تجرحهم. وعنه رواية: قال: كلا؛ تفعل يعني: هذا وهذا، وهو قول حسن، ولا منافاة، والله أعلم. ونسب قراءة: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ ابنُ خالويه وابنُ جني لابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدري وأبي زرعة. "الشواذ" لابن خالويه 112، و"المحتسب" 2/ 144. ويشهد لهذا القراءة قول النبي -ﷺ-: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريته، فيقول: من أحد المخرطمين". أخرجه الإمام أحمد 8/ 307، رقم: 22371. والبغوي في "مسند ابن الجعد" 427، رقم: 2919. وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 576، رقم: 322. فتلخص من هذا أن الدابة تفعل هذا وهذا، ولا معارضة. والله أعلم.]]. فتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أهل مكة [[جعل الهواري 3/ 266، لفظ الناس عامًا في المشركين كلهم، وهو أولى.]] ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بالبعث [[بالبعث. في نسخة (ج).]] والثواب والعقاب ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ وقيل: تُخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن. واختلف في قوله: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ فقرئ بالفتح والكسر [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، بالكسر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406 ، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 164.]]؛ فمن فتح أراد: تكلمهم الدابة بأن الناس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 300، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 651. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406. وفيه وجه آخر ذكره أبو عبيد: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي: تخبرهم أن الناس. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 222.]]. ومن كسر فلأن معنى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ تقول لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ والكلام قول، فكأن القول قد ظهر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 300. و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 406. قال أبو حاتم: من قرأ بفتح ﴿أَن﴾ فالوقف على ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ ومن كسر ﴿إِنَّ﴾ فالوقف على ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وهو من الكلام. "معاني القراءات" للأزهري 2/ 247.]]. وقال مقاتل والكلبي في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ يعني: بخروج الدابة؛ لأن خروجها من آيات الله [["تفسير الثعلبي" 8/ 135 أ، ولم ينسبه. و"تنوير المقباس" 322.]]. قال مقاتل: هذا قول الدابة ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا﴾ بخروجي لا يوقنون [["تفسير مقاتل" 62 ب. وقد أطال الثعلبي 8/ 135 أ، في ذكر الأخبار الواردة في شأن الدابة مما لا دليل عليه، وقد أحسن الواحدي في إعراضه عنها.]].