الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [[قال النحاس: من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. "إعراب القرآن" 3/ 223.]] قال مقاتل: تحسبها مكانها [["تفسير مقاتل" 62 ب، وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2933، عن ابن عباس: قائمة. وعن قتادة: تحسبها ثابتة في أصولها لا تحرك. وقال الهواري 3/ 268: ساكنة.]] ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ حتى تقع على الأرض فتستوي بها [["تفسير الثعلبي" 8/ 138 أ.]]. وقال ابن عباس: حتى تكون لا شيء، مِثلُ قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 20] [[ذكر البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم: ﴿جَامِدَةً﴾ قائمة. ووصله ابن جرير 20/ 21، من طريق علي بن أبي طلحة. قال ابن كثير 6/ 217: أىِ: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [9، 10] وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [105 - 107]. وجمع القرطبي 13/ 242، الآيات الواردة في شأن الجبال وزوالها؛ وجعلها تمر بستة أحوال، وصدر ذكرها بقوله: == ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه. قال الشنقيطي: بعض الناس زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب. ثم نقض هذا القول من وجهين؛ الأول: وجود القرينة الدالة على عدم صحته؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السموات، وترى الجبال. فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. الثاني: .. أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة "أضواء البيان" 6/ 442. وذكر الألوسي عن بعض علماء الفلك، ولم يسمه أن هذا صفة للجبال في الدنيا، وذكر عدة وجوه يمتنع بها حمل الآية على أن ذلك في يوم القيامة. ثم ذكر كلام المرجاني في مقدمه كتابه: (وفية الأسلاف، وتحية الأخلاف) ذكر أن هذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها، وأنه لا يمكن حمل الآية على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة، وذكر أدلة لفظية وسياقية في الآية تدل على ذلك، ولم يعترض عليه الألوسي. روح المعاني 13/ 89 - 92. وممن ذهب إلى هذا القول واختاره ابن عاشور 20/ 48؛ حيث قال: وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها يسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق .. ثم ذكر معنى الآية على هذا القول وفصله تفصيلًا حسناً. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين، إذ لا تعارض بينهما. والله أعلم.]]. قال عبد الله بن مسلم في هذه الآية: يريد: أنها تُجمع وتُسَيِّر، فهىِ لكثرتها كأنها ﴿جَامِدَةً﴾ واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب، وكذلك كل جمع كثير يقصر عنه البصر، كأنه في حسبان الناظر واقف، وهو يسير، وإلى هذا المعنى ذهب الجعدي في وصف جيش فقال: بِأَرْعَنَ مثلِ الطَّود تحسِبُ أنهم ... وقوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ [["تأويل مشكل القرآن" 6. وذكر قول ابن قتيبة الثعلبي 8/ 138 ب، وصدره بقوله: قال القتبي، ويظهر أن الواحدي نقل قول ابن قتيبة من الثعلبي لتطابق الكلام، ومن مواضع الاختلاف بين ما في كتاب ابن قتيبة، وما نقله عنه الثعلبي، قوله: وكل جيش غص الفضاء به لكثرته، وبُعدِ ما بين أطرافه، فقصُر عنه البصر فكأنه في حُسبان الناظر واقف وهو يسير. وأنشد البيت ابن جرير 20/ 21، وفي الحاشية: الأرعن يريد به الجيش العظيم، شبهه بالجبل الضخم ذي الرعان، والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدمًا، وقيل: الأرعن: المضطرب لكثرته، والطود: الجبل العظيم، والحاج: جمع حاجة، وتهملج: تمشي الهملجة، والهملجة: سير حسن في سرعة، والبيت شاهد على أن الشيء الضخم تراه وهو يتحرك فتحسبه ساكنًا، مع أنه مسرع في سيره جداً. والبيت في "ديوان الجعدي" 187.]] وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ قال الزجاج: هو نصب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دليل على الصنعة؛ كأنه قيل: صنَع الله ذلك صُنْعًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 130. وهو قول المبرد. "المقتضب" 3/ 203. وأبي علي، "المسائل الحلبيات" 303. ونسبه النحاس للخليل وسيبويه. "إعراب القرآن" 3/ 224.]]. وقال غيره: هو نصب على الإغراء، على معنى: وأبصروا وانظروا ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [["إعراب القرآن" للنحاس 3/ 224. و"تفسير الثعلبي" 8/ 138 ب، ولم ينسباه.]]. قال ابن عباس: أتقن ما خلق [[أخرجه ابن جرير 20/ 21، من طريقين، بلفظ: أحكم كل شيء. و: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه. وباللفظين رواه ابن أبي حاتم 9/ 2933، 2934. وقال: روي عن الحسن وعطاء والثوري مثل ذلك. ورواه عن الحسن: عبد الرزاق 2/ 86.]]. وقال مجاهد: أترص [[هكذا في نسخة: (أ)، (ب). وفي نسخة: (ج): فرض. ومعنى: أترص: أحكم وقوَّم. "مجمل اللغة" 1/ 146، و"اللسان" 7/ 10، مادة: ترص.]] وأبرم وأحكم وأحسن. كل هذه الألفاظ مروية عنه [[أخرجه ابن جرير 20/ 21، بلفظ: أوثق كل شيء وسوى. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2934، بلفظ: أبرم كل شيء. وفي "تفسير مجاهد" 2/ 476: أترص كل شيء، أي: أحسن وأبرم.]]. وقال الكلبي والسدي ومقاتل: أحسن [["تفسير الهواري" 3/ 269. ولم ينسبه. ولفظ مقاتل 62 ب: أحكم. وكذا في "تنوير المقباس" 322.]]. ومعنى الإتقان في اللغة: الأحكام للأشياء؛ قال الفراء: يقال رجل تقن: حاذق بالأشياء. ويقال: الفصاحة من تِقْنه، أي من سُوسِه [[ذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ولم أجده عند الفراء في تفسير هذه الآية.]]. قال الأزهري: الأصل في هذا: ابن تِقْن؛ وهو رجل من عاد، لم يكن يسقط له سهم [["تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ونسبه لابن السكيت، ثم قال الأزهري بعد ذلك: الأصل في التِّقن: ابن تقن هذا، ثم قيل لكل حاذق في عمل يعمله عالم بأمره: تّقن، ومنه يقال: أتقن فلان أمره، إذا أحكمه.]]، وفيه قيل: لأكلةٌ من أَقِطٍ وسمنِ ... ألينُ مسًّا في حوايا البطن من يثربيات قِذاذٍ خشن ... يرمي بها أرمى من ابن تِقن [[أنشده الأزهري عن ابن السكيت، ولم ينسبه. "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن). وهو في "اللسان" 13/ 73.]] [ثم قيل لكل حاذق بالأشياء: تقن، ومنه يقال: أتقن فلان عمله، إذا أحكمه.] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (أ)، (ب). وهو في "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن).]] قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يفعل أولياؤه وبما يفعل أعداؤه. وقرئ: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي، بالتاء. "السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 407.]]، [فمن قرأ بالتاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة، وقد يدخل الغيب في الخطاب، ولا يدخل الخطاب في الغيب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 408. و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 248.]].