الباحث القرآني

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وقوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ كأنه قيل للنبي -ﷺ-: قل للمشركين ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: يريد مكة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 24، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 62 ب، وذكره الهواري 3/ 269، ولم ينسبه. و"تفسير الثعبي" 8/ 139 أ.]] ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ جعلها حرمًا آمنًا من القتل فيها والسبي والظلم، فلا يصاد صيدها، ولا يختلى خلاها [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.]]، وحَدُّ ما حَرُم من أرض مكة معلوم بالأميال حوله والعلامات، وذلك القدر يحرم صيده وكسر أشجاره وقلعها وخبطها، ولكن تحش حشًا رقيقًا، وكذلك حرم المدينة كحرم مكة [[الدليل على هذا التحريم حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي -ﷺ- أنه قال يوم افتتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينظر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها" قال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. قال: قال: "إلا الإذخر" أخرجه البخاري، كتاب: جزاء الصيد، رقم: 1834، فتح الباري 4/ 46. ومسلم 2/ 986، كتاب الحج، رقم: 1353. وتحريم المدينة دليله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، عن النبي -ﷺ-: "أن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة". أخرجه البخاري، كتاب البيوع، رقم: 2129، فتح الباري 4/ 346، ومسلم 2/ 991، كتاب الحج، رقم: 1361.]]، وكذلك وَجّ الطائف في تحريم الصيد، وتحريم كسر الأشجار [[وَجّ: قيل: هي بلد بالطائف، وقيل: هي الطائف. "تهذيب اللغة" 11/ 237 (وجج)، و"لسان العرب" 2/ 397. و"معجم البلدان" 4/ 10. هكذا ضُبط بض الواو، وأما أهل الطائف فينطقونه بالكسر، وهو وادي الطائف الرئيس، وقد عُمر اليوم جانباه بأحياء من مدينة الطائف، فإذا تجاوز الطائف كانت عليه قرى ومزارع كثيرة، وأما سكانه ففي أعلاه هذيل، وعند الطائف الأشراف ذوو غالب. "معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية" 331. ما ذكره الواحدي واقتصر عليه من تحريم الصيد، وكسر الأشجار في وادي وج، هو مشهور مذهب الشافعية؛ قال الشيرازي: يحرم صيد وج؛ وهو واد بالطائف لما روي أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل صيد وج، فإن قتل فيه صيدًا لم يضمنه بالجزاء؛ لأن الجزاء وجب بالشرع، والشرع لم يرد إلا في الإحرام والحرم. "المهذب" مع == "المجموع" النووي 7/ 404. قال النووي: وقال الشافعي في الإملاء: أكره صيد وج، وللأصحاب فيه طريقان؛ أصحهما عندهم القطع بتحريمه .. والثاني: يكره. المجموع 7/ 408. قال شيخ الإسلام: وج: واد بالطائف؛ فإن هذا روي فيه حديث، رواه أحمد في المسند، وليس في الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي؛ لاعتقاده صحة الحديث، وليس حرما عند أكثر العلماء، وأحمد ضعف الحديث المروي فيه فلم يأخذ به "مجموع الفتاوى" 27/ 15. والحديث الوارد فيه هو حديث الزبير بن العوام؟، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن صيد وَجٍّ، وعِضاهَه حَرَم مُحَرَّم لله، وذلك قبل نزوله وحصاره الطائف". أخرجه الإمام أحمد 3/ 10، رقم: 1416، تح/ أحمد شاكر. وأخرجه من الطريق نفسه أبو داود 2/ 528، كتاب المناسك، رقم: 2032، والبيهقي، "السنن الكبرى" 5/ 200. وضعف إسناده محققو المسند، ط/ الرسالة 3/ 32؛ لضعف محمد بن عبد الله بن إنسان. كما ضعفه الألباني، "ضعيف سنن أبي داود" 198، رقم: 441. قال ابن القطان عن هذا الحديث: هو حديث لا يصح؛ فإنه من رواية محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه عن عروة، ومحمد بن عبد الله بن إنسان قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه نظر، وذكر له البخاري هذا الحديث وقال: لا يُتابع عليه. وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين قال: ليس به بأس، فأما أبوه عبد الله ابن إنسان فلا يعرف روى عنه غير ابنه محمد، قال البخاري: لا يصح حديثه. وممن ضعف الحديث النووي، "المجموع" 7/ 405، وابن حجر، "التلخيص الحبير" 2/ 280. ومع ذلك فقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند؛ لذكر ابن حبان لمحمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي، في الثقات. وهذا لا يكفي فإن ابن حبان من المتساهلين في التوثيق، كما هو معروف عند أهل العلم، إضافة إلى أن محمد قد تكلم فيه الحفاظ، ولم يوجد للحديث متابعات تشهد له. والله أعلم.]]؛ إلا أن الصيد في حرم مكة مضمون بالجزاء، وفي الحرمين الآخرين غير [[غير. في نسخة (ج).]] مضمون بالجزاء [[بالجزاء. في نسخة. (أ)، (ب).]]. وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ لأنه خالقه ومالكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن عباس: من الموحدين [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2936.]]. وقال مقاتل: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من المخلصين لله بالتوحيد [["تفسير مقاتل" 62 ب.]].