الباحث القرآني

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: احمده على نعمه. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ قال الكلبي: وقد أراهم إياها، وكان منها: الدخان وانشقاق القمر [["تنوير المقباس" 322، بلفظ: علامات وحدانيته وقدرته بالعذاب يوم بدر. ذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، إلى أن الدخان قد مضى ووقع لأهل مكة؛ عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا فأتيت بن مسعود == وكان متكئا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم، فإن الله قال لنبيه -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86] وإن قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي -ﷺ-: فقال اللَّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلي قوله: ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: 10، 15] أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء ثم عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: 16]، يوم بدر، و: ﴿لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77] يوم بدر ﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إلى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ والروم قد مضى. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: 4774، فتح الباري 8/ 511، ومسلم 4/ 2155، كتاب: صفات المنافقين، رقم: 2798. قال ابن كثير 6/ 247: وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف؛ كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، والضحاك وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير .. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد؛ بل هو من أمارات الساعة، ثم ساق الأحاديث الواردة في ذلك، ورجح ابن كثير هذا القول؛ وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن. وأما انشقاق القمر فإنه أمر قد وقع قال ابن كثير 6/ 472: قوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]، قد كان هذا في زمان رسول الله -ﷺ- كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .. وهو أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. ثم ساق الأحاديث في ذلك ومنها حديث أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله -ﷺ- أن يريهم آية فأراهم القمر شقين، حتى رأوا حِراءَ بينهما. أخرجه البخاري، كتاب: مناقب الأنصار، رقم: 3868، فتح الباري 7/ 182. وعن أنس أيضًا أن ذلك وقع مرتين. أخرجه مسلم 4/ 2159، كخاب صفات المنافقين، رقم: 2802.]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مجاهد: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق [[أخرجه ابن جرير 20/ 26. وابن أبي حاتم 9/ 2937. و"تفسير مجاهد" 2/ 476. وذكره الثعلبي 8/ 139 ب.]]. وقال مقاتل: يعني العذاب في الدنيا، والقتل ببدر [["تفسير مقاتل" 62 ب.]]. كقوله في سورة الأنبياء [37]: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 139 ب.]] وهذا القول يجب أن يكون الصحيح؛ لأنه قال: ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [وقد أراهم تلك الآيات التي ذكرها الكلبي ومجاهد، فلم يعرفوها] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] ولم يقروا بها [[جعل الهواري 3/ 260، ذلك في يوم القيامة؛ أي: الوعد والوعيد، ولا مانع من حمل الآية على العموم، والله أعلم.]]. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم. قال مقاتل: فعذبهم الله بالقتل ببدر، وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم الله إلى النار [["تفسير مقاتل" 63 أ.]]. وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء [[قرأ عاصم في رواية حفص، ونافع وابن عامر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. "السبعة في القراءات" 488، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 410، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 263.]]؛ فالتاء للخطاب؛ لأن قبله ﴿سَيُرِيكُمْ﴾ والياء لأنه وعيد للمشركين [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 410.]].