الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ لأخت موسى ﴿قُصِّيهِ﴾: اتبعي أثره [[أخرجه الحاكم 2/ 441، رقم: 3529، عن ابن عباس. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ. و"وضح البرهان" 2/ 147.]]. يقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئًا بعد شيء قصًا وقصصًا. قال المبرد: فلان يقص أثر الجيش أي: يتبعه متعرفًا [[لم أجده في "التهذيب"، مادة: قص، وفي "الكامل" 2/ 1018: تقصه: تتبعه، قال الله -عز وجل-: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره.]]. وقد ذكرنا هذا الحرف في القصاص والقصص [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]: القصاص في اللغة: المماثلة، وأصله من قولهم: قصصت أثره إذا تتبعته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: 11].]]. قال ابن عباس: تريد: اطلبي أثره، وانظري أين وقع، وإلى من صار [[ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506، بلفظ: اتبعي أثره. وباللفظ الذي ذكره الواحدي هنا أخرجه ابن جرير 20/ 38، وابن أبي حاتم 9/ 2948، وفي رواية عندهما عن ابن عباس: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟ أحي ابني أم أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها به.]]. وقال مجاهد: اتبعي أثره كيف يصنع به [[أخرجه ابن جرير 20/ 38.]]. وقال مقاتل: قصي أثره حتى تعلمي علمه من يأخذه [["تفسير مقاتل" 63 ب. واقتصر الأخفش على قول: قُصي أثره. "معاني القرآن" 2/ 652. وكذا قتادة، تفسير عبد الرزاق 2/ 88. وهو كذلك في "تاريخ الطبري" 1/ 389.]]. وقال ابن إسحاق: انظري ماذا يفعلون به [[في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وخبر ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2948، وأخرجه ابن جرير 20/ 39، عن قتادة.]]. هذا قول المفسرين. ودل كلامهم على أن القص: تتبع الأثر مع التعرف؛ كما قال المبرد. قوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أبصرته [[أخرجه ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948، كلاهما بمعناه.]]. قال المبرد: بصرت بالشيء، وأبصرته واحد في المعنى [[في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98: هما لغتان. ولم أجد قول المبرد في "التهذيب". وذكر قول المبرد، الشوكاني "فتح القدير" 4/ 156.]]. والفصل بينهما مع اجتماعهما في المعنى أن: بصرت به، معناه: صرت بصيرًا بموضعه. وهكذا فعلت، معناه: انتقلت إلى تلك الحال. قوله تعالى: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بعد [[ذكره البخاري عن ابن عباس، معلقًا بصيغة الجزم 8/ 506. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98. وحكاه عنه ابن الأنباري، في كتابه "الزاهر" 1/ 430. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]. وهو مصدر، ثم وصف به. وكذلك قالوا: رجل جنب، ورجال جنب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير الجنب في سورة النساء: الجُنُب نعت على: فُعُل، مثل: أُحُد .. وأصله من الجنابة ضد القرابة، وهو البعد .. ورجل جنب إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله.]]. وقال المبرد: وقد يجمع أجنابًا، كما تقول [[كما تقول: ساقط من نسخة (ج).]] في شُغل، وهو مصدر مثله: أشغال. قالت الخنساء ترثي [[ترثي، في نسخة (ج).]]: فابْكي أخاكِ لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجنابا [["ديوان الخنساء" 7. تخاطب في هذا البيت عينها. واستشهد به المبرد "الكامل" 2/ 904، على أنه يجمع: جُنُب: أجناب.]] قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ قال: عن جانب [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2948. وذكره الثعلبي 142 أ.]]. [وقال مجاهد: عن بُعد [[أخرجه ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948.]]. وقال عكرمة وقتادة: بصرت به وهي مجانبة لم تأته [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 88، عن قتادة. وكذا ابن جرير 20/ 39، وابن أبي حاتم 9/ 2948.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]. وقال مقاتل: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ كأنها مجانبة له ترقبه، وعينها إلى التابوت وهي معرضة عنه بوجهها [["تفسير مقاتل" 63 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء: أبصرته من شق عينها اليمنى. وقال أبو إسحاق: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن بُعد، تُبصره، ولا تُوهم أنها تراه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 134. ونحوه في "وضح البرهان" 2/ 147.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ من بُعد منها عنه، وإعراض لئلا يفطنوا [[لها. غير موجودة في النسخ الثلاث.]]، والمجانبة من هذا [["غريب القرآن" 329.]]. وقال الفراء: يقول: كانت على شاطئ البحر حين رأت آل فرعون قد التقطوه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303.]]. ولم يذكر الفراء ما ذكره غيره من أنها تجتنب أن يفطنوا بها؛ واقتصر من تفسير قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ على البعد فقط. وليس المعنى في قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ بُعد المسافة كما توهمه؛ وإنما هو: التباعد والمجانبة أن يعلموا بحالها، وأنها ترقبه، كما ذكره المفسرون، وأهل المعاني، ولا تستعمل الجنب والجنابة في بعد المسافة، ألا ترى إلى قول علقمة بن عبدة: فلا تَحْرِمَنّي نائلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 98، ونسبه لعلقمة بن عبدة وكذا المبرد، "الكامل" 2/ 903، وقال: جنابة: غربة وبعد. وأنشده الزجاج 4/ 134، ولم ينسبه. ونسبه لعلقمة: الأزهري 11/ 123، وهو في "ديوان علقمة" 30، آخر بيت من قصيدة له يمدح فيها الحارث بن جبلة الغساني، وكان قد أسر أخاه فرحل إليه يطلبه فيه. يقول: لا تحرمني العطاء بعد غربة وبعد عن دياري، فإنني امرؤ غريب. "حاشية الديوان".]] أراد بعد النسب لا بعد المسافة. فمعنى قوله: ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: عن تجنب منها وتباعد أبصرته. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن عباس: وهم لا يعلمون أنها أخته [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949، عن السدي. وأخرجه ابن جرير في التاريخ 1/ 389، عن السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود. وذكره الفراء 2/ 303، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها ترقبه [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال ابن إسحاق: لا يعرفون أنها منه بسبيل [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949.]].