الباحث القرآني

۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ
قوله -عز وجل-: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ الآية، ﴿الْمَرَاضِعَ﴾ يجوز أن يكون جمع امرأة مُرْضِعة [[في نسخة (ج): راضعة.]]، أو مُرْضِع: ذات ولد رضيع. ويجوز أن يكون جمع مَرْضِع منى: الإرضاع، ويجوز أن يكون جمع: مَرْضَع من قولهم: رَضَع يَرْضَع بمعنى: المصدر. ذكر ذلك المفضل والمبرد [[لم أجد قول المبرد والمفضل في "التهذيب" مادة: رضع. ولا في "لسان العرب".]]. وكلام المفسرين أيضًا يدل على نحو ما ذكرنا؛ قال ابن عباس في رواية عطاء: إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة تأخذه منها ترضعه، فكلما أتوه بمرضعة لم يأخذ ثديها. وقال في رواية سعيد بن جبير: لا يؤتى بمرضع فيقبلها [[أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949.]]. وقال محمد بن إسحاق: جمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها [[أخرجه ابن جرير 20/ 41. وأخرجه الحاكم 2/ 441، رقم 3529، عن ابن عباس.]]. فهذا يدل على أن المراضع ذوات الإرضاع. وقال مجاهد ومقاتل: لم يقبل موسى ثدي امرأة [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 40، عن مجاهد.]]. وقال قتادة: كان لا يقبل ثديًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 88. وأخرجه بمعناه ابن جرير 20/ 41.]]. وقال الفراء: يقول معناه: من قبول ثدي إلا ثدي أمه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303.]]. وهذا يدل على أن المراد بالمراضع [المرضعات، أو يراد: رضاعات. وأما ابن قتيبة فقال: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).]] معناه: أن يَرْضَع، والمراضع: جمع مُرْضِع [["غريب القرآن" 329.]]. يعني: الإرضاع. والمراد بالتحريم هاهنا تحريم المنع، وليس هناك نهي، ولكنه منع بالتبغيض، كالمنع بالنهي، وهذا كما يقال: حَرَّم فلانٌ على نفسه كذا بالامتناع بالأكل منه كالامتناع بالنهي [[قال النيسابوري: تحريم منع لا شرع. "وضح البرهان" 2/ 147.]]. قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال المفسرون: من قبل أمه، ومن قبل أن تأته أمه، ومن قبل أن نرده على أمه [["تفسير ابن جرير" 20/ 40. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135، بمعناه.]]. وذلك أن الله تعالى أراد أن يرده إلى أمه فبغض المراضع إليه حتى يُؤتى بأمه. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يولد في القضاء والقدر السابق، حرمنا عليه المراضع، وكان تحريم إرضاعهن عليه أن لا يقبل ثدي امرأة. والقول ما قال المفسرون؛ لأن المراضع لو حرمت عليه في القضاء السابق لحرم عليه رضاع أمه أيضًا؛ لعموم اللفظ، ولكن المعنى: حرمنا عليه المراضع قبل إرضاع أمه؛ وذلك أنه إذا رُدَّ إلى أمه فأرضعته يجوز أن يقبل ثدي مرضعة غير الأم. وقوله: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ قال المفسرون: لما تعذر عليهم رضاعه، ورأت حرصهم على ذلك، قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أي: يكفلون لكم رضاعه، ويضمنون لكم القيام به [[أخرجه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949، عن ابن إسحاق. و"غريب القرآن"، لابن قتيبة 329، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]. قال ابن عباس: قالوا لها: مَنْ؟ قالت: أمي، قالوا: ولأمك لبن؟ قالت: نعم، لبن هارون. وكان هارون ولد في سنةٍ لا يقتل فيها صبي، فقالوا لها [[لها. زيادة من نسخة: (ب).]]: صدقتِ والله. وقوله: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قال مقاتل: هم أشفق عليه، وأنصح له من غيره [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال السدي وابن جريج: لما سمعوا قولها: ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ قالوا: قد عرفتِ أهلَ هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: لا أعرف، ولكني عَنيتُ: وهم للملِك ناصحون [[رواه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949. وذكره عنهما الثعلبي 8/ 142 أ.]]، فدلتهم على أم موسى، فدُفع إليها تربيه لهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 135.]]، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها [["تفسير مقاتل" 64 أ، من قوله: فلما وجد الصبي. و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.]]، وأتم الله لها ما وعدها.