الباحث القرآني

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ اختلفوا في هذه المدينة، وفي سبب دخول موسى المدينة؛ فقال السدي: دخلها متبعًا أثر فرعون؛ لأن فرعون ركب وموسى غير شاهد، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: مَنْف [[أخرجه ابن جرير في "التاريخ" 1/ 390، عن السدي. و (مَنْف)، بالفتح ثم سكون: اسم مدينة فرعون بمصر، قال القضاعي: أصلها بلغة القبط: مافه، فعربت، فقيل: منف. "معجم البلدان" 5/ 247. وهي الآن جنوب الجيزة، والجيزة تقابل القاهرة من جهة الغرب.]]، فهو قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 43، وابن أبي حاتم 9/ 2952. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وقال ابن إسحاق: بل دخلها مستخفيًا من فرعون وقومه؛ وذلك أنه كان قد خالفهم في دينهم، وعاب عليهم ما كانوا عليه، وأنكر عليهم ذلك، حتى أخافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية فرعون إلا خائفًا مستخفيًا فدخلها يومًا على حين غفلة من أهلها [[أخرجه ابن جرير 20/ 43. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى هذا القول المدينة: مدينة فرعون التي كان يسكنها. وقال مقاتل: هي قرية على رأس فرسخين من مصر تدعى: خانين [["تفسير مقاتل" 64 أ. لم أجد معلومات عن هذه المدينة.]]. وقوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال ابن عباس. في الظهيرة، عند المقيل [[أخرجه ابن جرير 20/ 44.]]. وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل والسدي؛ قالوا: دخلها نصف النهار، وليس في طرقها أحد [[أخرجه ابن جرير 20/ 43، وابن أبي حاتم 9/ 2952، عن السدي، وابن عباس، وقتادة. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"وضح البرهان" 2/ 148، ولم ينسبه.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: بين [[بين، ساقطة من نسخة (ج).]] المغرب والعشاء [[أخرجه ابن جرير 20/ 44، وابن أبي حاتم 9/ 2953. والمراد به عطاء الخراساني كما صرح به ابن جرير.]]. وهو قول القرظي [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى قول ابن إسحاق: تعمد موسى الدخول على غفلتهم عنه؛ لأنه كان خائفًا مستخفيًا. وقال ابن زيد: لما كبر موسى وأنكر على فرعون وقومه دينهم، أمرَ فرعونُ بإخراجه من مدينته، فخرج منها، ولم يدخل عليهم إلا بعد الكبر، فدخلها عليهم وقد نسوا خبره وأمره؛ لبعد عهدهم به [[أخرجه بنحوه ابن جرير 20/ 44، وابن أبي حاتم 9/ 2953. وذكره الثعلبي 8/ 142 ب.]]. وعلى هذا المدينة: مصر [[مصر، ساقطة من نسخة: (أ)، (ب).]]، وغفلتهم عنه: نسيانهم إياه لطول العهد؛ وهذا القول لا يليق بسياق القصة؛ لأن عَود موسى إليهم بعد طول العهد إنما كان بعد الوحي والنبوة، ونبوته كانت بعد ما ذكر الله تعالى من قصته مع شعيب في هذه السورة. قال الفراء: أراد على غفلة من أهلها، فأدخل: ﴿حِينِ﴾ فضلة في الكلام، ولو لم يكن ﴿حِينِ﴾ فضلة، لقيل: ودخل المدينة حين غفلة من أهلها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 303. لم أجد هذه المسألة عند الزمخشري، ولا ابن عطية، ولا أبي حيان، ولا أبي السعود. وأما النحاس فقال: يقال في الكلام: دخلتُ المدينة حين غَفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، ودخلتْ على في هذه الآية؛ لأن الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلة، وإن شئت قلت: جئتُ على حين غفلة، فكذا الآية. "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 231. وكلامه تقرير لكلام الفراء؛ والأولى أن يقال: دخلت ﴿حِينِ﴾ لتأكيد معنى الدخول على غفلة؛ فإن وقت القائلة وما بين العشائين قد لا يُغفل فيه، و ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ في موضع الصفة لغفلة، وما في النظم الكريم أبلغ من غفلة أهلها، بالإضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم. "روح المعاني" 20/ 53. قال ابن عاشور 20/ 88: ويتعلق ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ بـ ﴿دَخَلَ﴾ وعلى للاستعلاء المجازي كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 5]. فإعراب ﴿عَلَى حِينِ﴾ حال من المدينة، أو حال من الفاعل. "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 177، و"الدر المصون" 8/ 656، و"الجدول في إعراب القرآن الكريم" 10/ 233.]]. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: بأن أحدهما من بني إسرائيل، والآخر قبطي. وهو قول الجماعة [[أخرجه أبو يعلى 5/ 16، عن ابن عباس. وأخرج ابن جرير 20/ 45، عن ابن == عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن أبي حاتم 9/ 2954، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 329.]]. قال ابن إسحاق: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ مسلم، وهذا من دين آل فرعون كافر [[أخرج ابن جرير 20/ 45، وابن أبي حاتم 9/ 2954، وقد خالف في ذلك مقاتل؛ فقال: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ﴾ كافرين. "تفسير مقاتل" 64 أ، وهو أقرب؛ لأن نبي الله موسى -ﷺ-، لم يبعث بعد. وقد ذكر هذا القول الواحدي بعد ذلك، ورجح قول مقاتل. والله أعلم.]]. قال أبو إسحاق: المعنى فوجد فيها رجلين؛ أحدهما من شيعته، والآخر من عدوه، وقيل فيهما: (هَذَا) (وَهَذَا) وهما غائبان على جهة الحكاية للحضرة، أي: فوجد فيها رجلين إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته، وهذا من عدوه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 136.]]. وقال أبو علي: (هَذَا) يشار به إلى الحاضر، والقصة ماضية ولكنها حكاية حال [[كتاب "الشعر" لأبي علي 1/ 236.]]. وقد ذكرنا مثلها في قوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: 110] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو علي: هو حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال على ما كانت كما أن قوله ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15] أشار إلى الحاضر والقصة ماضية لأنه حكى الحال.]]. وقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: استنصر موسى الإسرائيلي على القبطي [[و (¬6) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 136، 137. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ.]] ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ الوكز: الضرب بجُمعِ الكف في الصدر (¬6). قال الفراء: يريد: فلكزه، وفي قراءة عبد الله: (فَنكَزهُ). وكلٌ سواء [["معاني القرآن" 3/ 302. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330. وذكر قراءة عبد الله الثعلبي 8/ 143 أ. وفي "الدر المصون" 8/ 657: والفرق بين الوكز واللكز: أن الأول بجميع الكف، والثاني بأطراف الأصابع، وقيل: بالعكس. والنكز كاللكز.]]. قال المفسرون: وكزه موسى وكزة بجمع كله فقتله، وهو قوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله. قاله ابن عباس والمفسرون [[أخرجه أبو يعلى 5/ 16، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"معاني القرآن" للفراء 3/ 302. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 330. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ. و"وضح البرهان" 2/ 148.]]. قال أبو عبيدة: كل شيء فرغت منه، فقد قضيت عليه وقضيته [["تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ. بنصه، ولم ينسبه. وكذا عند ابن قتيبة، "غريب القرآن". وفي "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99، أي: فقتله وأتى على نفسه.]]. قال المبرد: قضى عليه كقولك: أتى عليه، أي: صادف أجله، ومنه قول جرير: أيُفايشُون وقد رأوا حُفَّاثهم ... قد عَضَّه فَقَضَى عليه الأشجعُ [["ديوان جرير" 270، من قصيدة يهجو فيها الفرزدق، ومعنى الفياش: المفاخرة. "لسان العرب" 6/ 333، واستشهد ببيت جرير على ذلك. والحفاث: حية عظيمة. "لسان العرب" 2/ 138 (حفث).]] أي: قتله. قال المفسرون: كان موسى شديد البطش، قد أوتي بسطة في الخَلْق، وشدة في البطش، ضَبَثَ [[الضَّبْث: قبضك بكفك على الشيء. "تهذيب اللغة" 12/ 7 (ضبث).]] بعدوه فوكزه وكزة قتله منها، وهو لا يريد قتله، فـ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [[أخرجه ابن جرير 20/ 45، وابن أبي حاتم 9/ 2955، عن ابن إسحاق. وأخرجا نحوه عن قتادة، وأخرج نحوه عن ابن عباس ابن أبي حاتم 9/ 2954. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 أ.]] أي: هذا القتل من تسبب الشيطان؛ هيج غضبي حتى ضربت هذا ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ لابن آدم ﴿مُضِلٌّ﴾ له ﴿مُبِينٌ﴾ عداوته. قال المفسرون: لما قتله موسى ندم على القتل، وقال: لم أومر بذلك، فـ: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2955، عن ابن عباس. و"الثعلبي" 8/ 143 أ، ولم ينسبه.]]. قال أبو إسحاق: هذا يدل على أن قتله كان خطأً، وأنه لم يكن أُمِر موسى بقتل ولا قتال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137.]]. ثم استغفر الله فقال: