الباحث القرآني

فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ أي: بالقبطي، الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي، [ظن الإسرائيلي] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] أن موسى يريد أن يبطش به لقوله له [[له، من نسخة: (أ)، (ب).]]: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فقال: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وهذا قول جميع المفسرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 48، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 137. و"تفسير الثعلبي" 8/ 143 ب. و"وضح البرهان" 2/ 148.]]. قال ابن عباس والكلبي: ولم يكن أحد اطلع ولا علم أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، حتى أفشى عليه الإسرائيلي أنه هو القاتل بالأمس، وسمع القبطي ذلك فعَلِم به، وأتى فرعون فأخبره [[أخرجه أبو يعلى 5/ 17، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 49، عن محمد بن إسحاق.]]. والذي قاله المفسرون: إنه لم يستثن فابتلي، هو هذا، وهو أنه وقع من الغد في مثل ما وقع بالأمس، وهمَّ بالبطش حتى فشت عليه قصته الواقعة بالأمس، حتى احتاج إلى الهرب. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ما تريد إلا أن تكون جبارًا. قال المفسرون: قتالًا بالظلم [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه ابن جرير 20/ 49، عن قتادة، وابن جريج. وابن أبي حاتم 9/ 2959، عن أبي عمران الجوني، وقتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" 8/ 143 ب.]]. قال أبو إسحاق: الجبار في اللغة: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله، والقاتل بغير حق: جبار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 137. والجبار، له معانٍ متعددة، أوصلها ابن الأنباري إلى ستة، منها: القتَّال، واستدل عليه بهذه الآية "الزاهر" 1/ 80]]. وقوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما هكذا يكون الإصلاح [[أخرجه ابن جرير 20/ 50.]]. قالوا: فلما سمع القبطي هذا من قول الإسرائيلي خلاه في يد موسى، وجاء القبطَ [[في نسخة: (ج): القبطي.]] فأخبرهم بأن موسى هو [[هو، ساقطة من: (أ)، (ج).]] القاتل، فأمر فرعون بقتله، وعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه، وأخبره بذلك [[أخرجه أبو يعلى 5/ 18، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير 20/ 50، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وذكر نحوه مقاتل 64 أ. و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ.]]، وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قال ابن عباس: اسمه حزقيل، وهو الرجل المؤمن من آل فرعون. هذا قول أكثر المفسرين [["تفسير مقاتل" 64 أ. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 89، عن قتادة، دون ذكر الاسم. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2959، عن ابن عباس، بلفظ: من شيعة موسى، ولم يذكر الاسم، ولا الصفة. قال الثعلبي 8/ 144 أ: قال أكثر أهل التأويل: هو حزبيل بن صبورا.]]. وقال ابن إسحاق: يقال له: سَمْعان، ولم يذكر أنه المؤمن من آل فرعون [[أخرجه ابن جرب 20/ 51، وابن أبي حاتم 9/ 2959. وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ولم ينسبه. وهذا خلاف لا فائدة فيه، ولا ثمرة ترجى من ورائه، والإعراض عنه أولى.]] ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: من آخرها وأبعدها ﴿يَسْعَى﴾ قال مقاتل: على رجليه [["تفسير مقاتل" 64 أ.]]. وقال ابن عباس: يشتد. ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ يريد: الأشراف، يعني: أشراف قوم فرعون [["غريب القرآن" لابن قتيبة 330، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 138.]] ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ قال أبو عبيدة: يتشاورون فيك ليقتلوك. واحتج بقول ربيعة بن جُعشم النَّمْرِيُّ [[في النسخ الثلاث: النميري.]]: أَحارُ بنَ عمرٍو كأني خَمِر ... ويعدو على المرء ما يأتمر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 100. ونسب البيت لربيعة بن جُعشَم النمري. وعنه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 330، والأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294 (أمر). وأنشده البغدادي 1/ 374، ونسبه لامرئ القيس، وهو في ديوانه 111، قال البغدادي: وأثبت هذه القصيدة له أبو عمرو الشيباني، والمفضل وغيرهما، وزعم الأصمعي في روايته عن أبي عمرو بن العلاء أنها لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جُعشم. وفيه: أحارُ: مرخم: يا حارث، كأني خمر: الخمار بقية السكر. وهو قول ابن جرير 20/ 52، قال: يتآمرون بقتلك، ويتشاورون، ويرتئون فيك. وذكر هذا القول دون البيت النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 149.]] قال ابن قتيبة: وهذا غلط بَيَّنٌ لمن تدبر، ومضادَّةٌ للمعنى، كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمشاورة بركة وخير؟ وإنما أراد: يعدو عليه بما يهم به من الشر. قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: يَهِمُّون بك. يدلك على ذلك قول النَّمر بن تَوْلب [[النمر بن تولب بن زهير، شاعر جواد، كان يسمى: الكيِّس لحُسن شعره، قدم على النبي -ﷺ-، وأسلم. "الإصابة في معرفة الصحابة" 253، و"الشعر والشعراء" 195]]: اعْلَمن أن كل مُؤْتَمِر ... مُخطئٌ في الرأي أحيانًا [[أنشده ونسبه ابن قتيبة، "غريب القرآن" 330، وذكر بعده بيتًا آخر، هو: فإذا لم يصب رشدًا ... كان بعضُ اللوم ثُنيانًا وعن ابن قتيبة ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294، ولم ينسبه.]] يقول: كلُّ من ركب هواه، وفعل ما يفعل بغير مشاورة أخطأ أحيانًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6] لم يُرِد: تَشاوروا، إنما أراد: هُمُّوا به، واعتزموا عليه. ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يتآمرون فيك [["غريب القرآن" لابن قتيبة 330، مختصرًا، ونقل قول ابن قتيبة: الأزهري، "تهذيب اللغة" 15/ 294 (أمر).]]. وقال الزجاج في قوله: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يأمر بعضهم بعضًا بقتلك [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 138. و"وضح البرهان" 2/ 149.]]. قال الأزهري: يقال: ائتمر القوم، وتآمروا: إذا أمر بعضهم بعضًا [[في نسخة: (ب)، زيادة: بقتلك. وهي غير موجودة في "التهذيب".]]، كما يقال: اقتتل القوم وتقاتلوا، واختصموا وتخاصموا. ومعنى: ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك؛ وهذا أحسن من قول القتيبي: إنه بمعنى: يَهِمُّون بك، وقول الله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ليأمر بعضكم بعضًا بمعروف. وجائز أن يقال: ائتمر فلان رأيه، إذا شاور عقله في الأمر الذي يأتيه. وقد يصيب الذي يأتمر رأيه مرة، ويخطئ أخرى، وهذا معنى قوله: اعلمن أن كل مؤتمر. أي: من ائتمر رأيه فيما ينوبه يخطئ أحيانًا. انتهى كلامه [["تهذيب اللغة" 15/ 295 (أمر).]]. ومعنى الائتمار في كلام العرب: المشاورة، وهو يعود إلى أن يأمر بعضهم بعضًا [[في نسخة: (أ)، (ب): بعضكم بعضًا.]]، كما ذكره الزجاج. قال شمر: يقال: ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر، إذا شاورته، وائتمر القوم، إذا تشاوروا. ثم الائتمار يكون مرة مع ذوي العقل والرأي من الناس، وهو المحمود المسنون، [ومرة يكون مع النفس والهوى، وهو المذموم، الذي ذم في قوله: ويعدو على المرء ما يأتمر] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]، ومرة يكون مع العقل والرأي، وهو الذي يخطئ مرة ويصيب مرة. وقد ذكره النمر في قوله. ومنه المثل: (لا يدري المكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يرى رأيًا ويشاور نفسه [["تهذيب اللغة" 15/ 295 (أمر)، بتصرف. وقد ذكر المثل ولم يتكلم عليه. وهو في مجمع الأمثال 2/ 277، بلفظ: إلا يدري الكذوب كيف يأتمر). أي: كيف يمتثل الأمر ويتْبعه.]]. وقول أبي عبيدة والزجاج في تفسير: ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾ هو الصحيح، وقولهما قريب من السواء، وقول ابن قتيبة لا أصل له في اللغة؛ ولا يقال: ائتمر بالشيء إذا هم به، ولم أر للمفسرين لفظًا في تفسير الائتمار. قوله: ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ أي: بالقبطي الذي قتلته بالأمس. قاله ابن عباس ومقاتل [[أخرج ابن جرير 20/ 50، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 أ.]] ﴿فَاخْرُجْ﴾ من القرية ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أي: في أمري إياك بالخروج [["تفسير ابن جرير" 20/ 52.]].