الباحث القرآني

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ جماعة من الناس [["تفسير مقاتل" 64 ب. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 139. وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 149، وقد أوصل معاني الأمة إلى ثمانية.]]، وهم: الرعاة يسقون مواشيهم وأنعامهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 54، عن ابن إسحاق. وذكره الثعلبي 8/ 144 أ، ولم ينسبه.]]. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ أي: من سوى الأمة ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾ وهما: ابنتا شعيب، في قول أكثر المفسرين [["تفسير مقاتل" 64 ب. وجزم الواحدي هنا باسم أبيهما، تابع فيه ما اشتهر عند أكثر المفسرين، وقد وقع الخلاف في اسمه، وهل هو النبي شعيب -عليه السلام- أم غيره؟ وحكى أنه شعيب: الثعلبي 8/ 153 ب، عن: مجاهد والضحاك والسدي والحسن. قال ابن جرير: وهذا مما لا يُدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر في ذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه. وساق ابن كثير 6/ 228، الخلاف في هذا الرجل؛ واستبعد كونه نبي الله شعيب عليه السلام، ثم قال: وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثبرون، والله أعلم.]]. ﴿تَذُودَانِ﴾ تحبسان غنمهما. هذا قول أكثر المفسرين؛ الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير والسدي، وغيرهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305. ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير 20/ 55، وابن أبي== حاتم 9/ 2962، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي مالك. و"تفسير الثعلبي" 8/ 144 أ، وذكره في 153 ب، عن قتادة، وابن إسحاق. ورجح هذا القول الثعلبي.]]. قال مقاتل: حابستين الغنم، لتسقيا الغنمَ فضلَ الرِّعاء [[أخرجه أبو يعلى 5/ 18، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" 64 ب.]]. وقال السدي: تحبسان غنمهما عن الناس حتى يفرغوا، ويخلوا لهم البئر [[أخرجه ابن جرير 20/ 55، وابن أبيِ حاتم 9/ 2962، عن أبي مالك، باللفظ نفسه، وأما لفظ السدي عندهما فهو: تحبسان غنمهما. وهذا بدل على أن قوله: قال السدي خطأ؛ لذكره قبل ذلك، فلعله يعني به أبا مالك. والله أعلم.]]. وقال عبد الله بن مسلم: أي تكفان غنمهما، وحذف الغنم اختصارًا [["غريب القرآن" لابن قتيبة 332.]]. ومعنى الذود في اللغة: الكف والطرد [["تهذيب اللغة" 14/ 150 (ذاد)، و"لسان العرب" 3/ 167.]]، ومعنى: ﴿تَذُودَانِ﴾: تدفعان وتكفان. ولم يُذكر في الآية عن أي شيء تدفعان الغنم، فذهب أكثر أهل التفسير إلى أنهما كانتا تدفعانها عن الماء؛ وهو قول من قال: تحبسان؛ لأن دفعها عن الماء حبس لها عنه. واختاره أبو إسحاق؛ قال: ﴿تَذُودَانِ﴾ غنمهما عن أن تقرب موضع الماء؛ لأنها تطردها عن الماء مَنْ هو على السقي أقوى منهما [["معاني القرآن" للزجاج4/ 139.]]. وقال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 153 ب]]. وقال قتادة: ﴿تَذُودَانِ﴾ الناس عن شائهما [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 90. وابن جرير 20/ 56.]]. وقال الفراء: تحبسانها عن أن تشذ وتذهب، قال: ولا يجوز أن يقال: ذدت الرجل، إذا حبسته، وإنما كان الذياد حبسًا للغنم؛ لأن الغنم إذا أراد شيء منها أن يشذ ويذهب فرددته فذلك: ذود، وهو: الحبس [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305. وقد تعقبه ابن جرير 20/ 55، بأنه قد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أنا عند عُقْر حوضي أذود عنه الناس لأضربهم بعصاي حتى يرفَضَّ" فقد جعل النبي -ﷺ- الذود في الناس. والحديث أخرجه ابن حبان، كتاب التاريخ، رقم: 6455، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 14/ 367، وقال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم، ومعنى يرفض: يسيل. وعُقْر الحوض: موضع الشاربة منه "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير 3/ 271.]]. والقول هو الأول؛ لقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [[وقد سبقه إلى هذا الترجيح ابن جرير 20/ 56، قال: لدلالة قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.]] قال محمد بن إسحاق: ما شأنكما لا تسقيان [["تفسير الثعلبي" 8/ 153 ب. ولم ينسبه.]]. وقال أبو إسحاق: أي ما أمركما [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332.]]. ومعناه: ما تخطبان، أي: ما تريدان بذودكما غنمكما عن الماء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139.]]. فلولا أنهما كانتا تحبسان غنمهما عن الماء في وقت السقي ما سألهما موسى عن شأنهما، ألا ترى أن في جوابهما دليلًا على أنه سألهما عن السبب في ترك السقي مع الناس، وهو قوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ وقرئ (يَصْدُرَ) [[قرأ أبو عمرو وابن عامر (يَصْدُرَ) بفتح الياء، وضم الدال. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي (يَصْدُرَ) بضم الياء، وكسر الدال. "السبعة في القراءات" 492، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 412، و"النشر" 2/ 341.]] من: صَدَر، وهو ضد: وَرَدَ. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: 6] ومعنى ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ يرجعوا من سقيهم. ومن قرأ: ﴿يُصْدِرَ﴾ أراد حين يصدروا مواشيهم من وردهم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 412. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 332، و"وضح البرهان" 2/ 149.]]. قال ابن عباس: فيخلوا لنا الموضع [[أخرجه بنحوه ابن جرير 20/ 57، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]، ولكنه حذف المفعول، ومثله كثير، و ﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع راع، كما يقال: تاجر وتجار، وصاحب وصحاب، ويجمع أيضًا على: الرعاة، كالبكاة، والغزاة، والدعاة [[كتاب "العين" 2/ 240 (رعو). وفي "تهذيب اللغة" 3/ 162 (رعى): ويجع الرعي: رعاة ورعيانًا، وأكثر ما يقال: رعاة للولاة، والرعيان لجمع راعي الغنم.]]. قال مقاتل: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي فنسقي فضلهم [["تفسير مقاتل" 64 ب. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة.]]. وقال ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا﴾ نحن امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على أن يغني ذلك من نفسه، وأن يسقي ماشيته، فنحن ننتظر الناس حتى [[حتى، من نسخة (ج).]] إذا فرغوا سقينا ثم انصرفنا [[أخرجه ابن جرير 20/ 57، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]. وهذا معنى قوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [قال مقاتل: لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر [["تفسير مقاتل" 64 ب.]]. وقال أبو إسحاق: الفائدة في قولهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾] [[ما بين المعقوفين من (ج).]] أي: لا يمكنه أن يَرد ويسقي، فلذلك احتجنا ونحن نساء أن نستقي [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 139.]]. وقال الكلبي: قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وليس له عون يعينه غيرنا [["تنوير المقباس" 325.]]. فأتى موسى أهل الماء فسألهم دلوًا من ماء، فقالوا له: إن شئت ائت الدلو فاستق بها؛ قال: نعم، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلاً حتى يخرجوه من البئر، فأخذ موسى الدلو فاستقى به وحده، وصب في الحوض، ودعا بالبركة، ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت [["معاني القرآن" للفراء 2/ 305، بمعناه. وأخرجه نحوه عبد الرزاق 2/ 90، عن قتادة. وكذا عند مقاتل 64 ب. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2964، عن السدي.]]. وقال ابن إسحاق [[في نسخة: (أ)، (ب): أبو إسحاق. وهو خطأ.]]: أخذ موسى دلوهما ثم تقدم إلى السقاة بفضل قوته، فزاحم القوم عن الماء حتى أخرهم عنه، ثم سقى لهما [[أخرجه ابن جرير 20/ 58، وابن أبي حاتم 9/ 2964.]]. وقال مقاتل: قال لهما موسى: أين الماء؟ فانطلقتا به إلى الماء، فإذا هو بحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس، فرفعه موسى بيده وحده، ثم أخذ الدلو فأدلى دلوًا واحداً، فأفرغه في الحوض، ثم دعا بالبركة فسقى الغنم، فرويت [["تفسير مقاتل" 64 ب.]].