الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ
قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قال المفسرون: أي: أحسن بيانًا [["تفسير ابن جرير" 20/ 74. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]. قال ابن عباس: وكان في لسان موسى عُقدة، من قِبَل النار [["تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب.]]، فذلك قول فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: 52]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: 27] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أن العقدة: الربطة في الحبل والخيط، وأراد بالعقدة هاهنا رثة كانت في لسانه تمنعه من الانطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير -وهو قول العامة-: عجمة من جمرة أدخلها في فيه. والقصة في ذلك معروفة. وفي الحاشية نقد لهذه القصة. وسبق بيان أن القول بأن العلة كانت بسبب الجمرة ليس بصحيح، في تفسير سورة الشعراء الآية 13.]]. قال أهل اللغة: الفصيح من الكلام: ما لا لحن فيه ولا خطأ. وأصل الكلمة: ظهور الشيء وصفاؤه. يقال: أفصح الصبح إذا بدا وظهر، وأفصح اللبن إذا زالت الرُّغوة عنه، وبدا صريحه [[الصريح: المحض الخالص من كل شيء، ويقال لِلَبَن: صريح، إذا لم تكن له رغوة. "تهذيب اللغة" 4/ 237 (صرح).]]. وإذا كان الكلام صافيًا من اللحن، خالصًا عما يوجب اللبس من لَجْلَجة أو مَجْمَجة [[اللجلجة: أن يتكلم الرجل بلسانٍ غير بين. "تهذيب اللغة" 10/ 495 (لج). والمجمجة، يقال: مجمج بي: إذا ذهب بك في الكلام مذهبًا على غير الاستقامة، وردك من حال إلى حال. "تهذيب اللغة" 10/ 523 (مجمج)، وفي "اللسان" 2/ 363: مجمج الرجل في خبره: إذا لم يبينه.]] شُبَّه باللبن الخالص من الرُّغوة فسمي: فصيحًا [["تهذيب اللغة" 4/ 253 (فصح)، بنحوه.]]. وقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قال المفسرون: عونًا ومعينًا [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 91، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير 20/ 74، وابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مجاهد وقتادة و"تفسير مقاتل" 65 ب و"الأضداد" لابن الأنباري 208. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 333. و"تفسير الثعلبي" 8/ 147 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2977، عن مسلم بن جندب، أنه قال: ﴿رِدْءًا﴾ أي: زيادة.]]. قال النضر: يقال فلان رِدْءٌ لفلان أي: يَنْصُره ويَشُد ظهره، وأصله من قولهم: ردأت الحائط أردأه، إذا دعمته بخشب أو لَبِن يدفعه أن يسقط. وقال يونس: أردأت الحائط بهذا المعنى. وقال الليث: رَدَأْت فلانًا بكذا أي: جعلتُه قوةً له وعمادًا. وأردأتُ فلانًا أي: ردأته [[كتاب "العين" 8/ 67 (ردء).]]. ابن السكيت: أردأتُ الرجلَ إذا أعنتُه [["تهذيب اللغة" 14/ 167 (ردأ)، من بداية قول النضر بن شميل.]]. أبو عبيدة: أردأته على عدوه، وعلى ضيعته أي: أعنته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 104. ونقله عنه أبو علي في الحجة 5/ 420.]]. وقرأ نافع: (ردًا) بغير همز [[قرأ نافع وحده: (ردًا) مفتوحة الدال، منونة غير مهموزة. وقرأ الباقون: ﴿رِدْءًا﴾ ساكنة الدال مهموزة "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 420، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341. وقراءة نافع يعبر عنها بالنقل؛ قال السمين الحلبي: وقرأ نافع: (ردا) بالنقل، وأبو جعفر كذلك إلا أنه لم ينونه كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ونافع ليس من قاعدته النقل في كلمة إلا هنا، وقيل: ليس فيه نقل وإنما هو من أردى على كذا. "الدر المصون" 8/ 677، وفي الحاشية: النقل: نقل حركة الهمزة إلى الدال ثم حذف الهمزة.]]، خفف الهمزة وألقى حركتها على الساكن الذي قبلها، نحو: ﴿الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25] فيمن خفف [[سبق ذكر هذه القراءة في تفسير قوله تعالى ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل: 25].]]. وقد جاء [[وقد جاء. ساقطة من نسخة (ج).]] في بعض القوافي: في [[في. ساقطة من نسخة: (ب).]] الردء الرد [[لم يذكر الواحدي مثالاً على ما جاء في بعض القوافي، وبحثت عن ذلك فلم أجد.]]، وذلك على أنه وقف بعد التخفيف على الحرف فشدده، كما ثُقِّل: هذا فَرَجٌّ، وهذا خَالِدٌّ، فضُعَّف الحرف للوقف، ثم يُطلق كما أطلق نحو: سبسبَّا والقَصَبَّا [[هاتان الكلمتان من قول رؤبة بن العجاج 169، من قصيدة له يصف فيها الجراد في انتشاره، وسرعة مره كالسيل إذا امتد، وكالحريق، أي: النار في القصب أو التبن، حاشية "المسائل العسكرية" 224، وفيه ذكرِ أبيات رؤبة، وأما أبو علي في "المسائل العسكرية" فقد ذكر الشطر الآتي ولم ينسبه: مثلُ الحريق وافق القصبَّا. == وذكر الكلمة الأولى: سبسبَّا سيبويه، "الكتاب" 4/ 169، وفي الحاشية: إشارة إلى قول العجاج: تترك ما أبقى الدُّبى سَبْسَبًّا وفي حاشية "الحجة" 1/ 65: ذكر البيت كاملاً، وصدره: وهبت الريح بمور هبَّا ثم قال: المور بضم الميم: الغبار، والسبسب: القفر، والدَّبا بتشديد الدال المفتوحة: الجراد. والشاهد في هذا كله: تفعيف الباء للضرورة؛ قال أبو علي: ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي مجرى الوقف، وقد جاء ذلك في النصب أيضًا، ثم ذكر بيت رؤبة، ثم قال: وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة. "المسائل العسكرية" 224.]]. وقال أبو الحسن: هو فعل من رَددتُ، أي: يَرُدَّ عني [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 420.]]. قوله: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ قرئ بالرفع، والجزم [[قرأ عاصم وحمزة: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بضم القاف، وقرأ الباقون: ﴿يصْدقني﴾ بجزم القاف. "السبعة في القراءات" 494، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وإعراب القراءات السبع وعللها 2/ 175، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 341.]]. فمن رفع فهو صفة للنكرة، وتقديره: ردءًا مصدقًا، وسأل ربه إرساله بهذا الوصف. ومن جزم كان على معنى الجزاء، أي: إن أرسلته صدقني، وهو جيد في المعنى؛ لأنه إذا أرسله معه صدقه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 421، وهو قول الأخفش، "معاني القرآن" 2/ 653.]]. والتصديق لهارون في قول الجميع، وقال مقاتل: لكي يصدقني فرعون [["تفسير مقاتل" 65 ب.]]؛ والقول هو الأول.