الباحث القرآني

وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ
وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ مفسر في موضعين من سورة: هود [[عند قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [60] وقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال الواحدي في تفسير هذه الآية: أي: أردفوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم؛ هذا معنى الإتباع، وهو أن يتبع الثاني الأول ليتصرف معه بتصرف. ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله ومن كل خير.]]. قال مقاتل في هذه الآية: يعني: الغرق [["تفسير مقاتل" 66 أ.]]. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: من المبعدين الملعونين [[أخرج ابن جرير 20/ 79، عن قتادة: لعنوا في الدنيا والآخرة.]]؛ من القُبْح، وهو: الإبعاد. قال الليث: يقال: قَبَحَه الله، أي: نحَّاه من كل خير [[كتاب "العين" 3/ 53 (قبح). ونقله عنه الأزهري 4/ 75.]]. وقال أبو زيد: قَبَحَ الله فلانًا قُبْحًا وقُبُوْحًا، أي: أقصاه وباعده من كل خير، كقبوح الكلب والخنزير، قال الجعدي: ولَيْسَتْ بْشوهَاءَ مَقْبُوحَةٍ ... تُوافِي الديارَ بوجهٍ غَبِر قال أبو عبيدة: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المهلكين [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 106. وقال الثعلبي 8/ 148 أ: الممقوتين. وكذا في "وضح البرهان" 2/ 152.]]. وقال ابن عباس: يريد: تسود وجوههم، وتزرق أعينهم، ويشوه خلقهم [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 148 أ.]]. وقال الكلبي: يعني: سَواد الوجه، وزرقة العين [["تنوير المقباس" 327.]]. وهذا يوجب أن يكون ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ بمعنى: المقبَّحين. وقد روى أبو عبيد عن أبي عمرو: قَبَحْتُ له وجهَه، مخففة؛ بمعنى: قَبَّحت [["تهذيب اللغة" 4/ 75 (قبح).]]. وأهل اللغة في: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ على القول الأول [[المراد به: ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾ المبعدين.]]. قال أبو علي الفارسي في إعراب هذه الآية: يحتمل أن يكون: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ولعنةً يوم القيامة، فحذف المصدر، وأقيم ﴿يَوْمَ﴾ مقامه، فانتصب انتصاب المفعول به، ويكون ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ جملة استغني عن حرف العطف فيها بما تضمنت من ذكرهم، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ولو كانت الواو لكان ذلك حسنًا كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ [الكهف: 22] قال: ويجوز أن يكون: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ محمولَّا عَلى موضع: في هذه الحياة الدنيا، كما قال الشاعر: إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا [[أنشده كاملًا سيبويه 1/ 68، ونسبه لكعب بن جعيل، وصدره: ألا حيَّ ندماني عمير بن عامر الندمان، ومثله: النديم: الذي يجالسك ويشاربك، وفي الحاشية: شاهده عطف: غدًا، على محل: اليوم،؛ لأنه مسبوق بمن الزائدة. وأنشده المبرد "المقتضب" 4/ 112، وابن جني "المحتسب" 2/ 362، ولم ينسباه. وهو في "الإنصاف" 1/ 335، غير منسوب، قال: فنصب: غدًا، حملًا على موضع: من اليوم، وموضعها نصب.]] ويشهد لهذين الوجهين قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 23] وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: 60] ويكون قوله: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ على ما ذكرنا في الوجه الأول. قال: ويجوز أن يكون العامل فيه: ﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدمًا، كأنه قيل: ويوم القيامة يقبحون. كما أجاز سيبويه: كل يوم لك ثوب.