الباحث القرآني

وَقَالُوۤا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَ ٰ⁠تُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ
قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال الكلبي ومقاتل والمفسرون: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف [[الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، من زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وقد قتل يوم بدر كافرًا، قتله خبيب بن عدي -رضي الله عنه-، ثم أسر خبيب يوم الرجيع فابتاعه بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بأبيهم، وقصته في ذلك مشهورة. "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 180.]]، قال للنبي -ﷺ-: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكن يمنعنا من ذلك أن العرب تخطفنا من أرضنا، يعني: من مكة، فإنما نحن أكلة رأس [[أكلة رأس، مثل يضرب لقلة العدد، فكأنهم لو اجتمعوا على أكل رأس لكان كافيًا لهم. "الزاهر في معاني كلمات الناس" 2/ 14، و"مجمع الأمثال" 1/ 84.]] ، والعرب على ديننا، ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله هذه الآية [["تفسير مقاتل" 67 ب، وفيه: الحارث بن نوفل بن عبد مناف، وذكر نحوه الزجاج 4/ 150، ولم ينسبه. وأخرجه ابن جرير 20/ 94، وابن أبي حاتم 9/ 2995، والنسائي، كتاب التفسير 2/ 146 رقم 405. وذكره الثعلبي 8/ 149 ب. والواحدي "أسباب النزول" 338، وفيه: الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف.]]. وقوله: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قال المبرد: التخطف: الانتزاع بسرعة، كما يتخطف البازي، ولا يكون الخطف إلا بسرعة [[يقال: خَطِفت الشيء، واختطفته: إذا اجتذبته بسرعة. "تهذيب اللغة" 7/ 241 (خطف)، ولم يذكر قول المبرد.]]. وقد مر في في له: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] [[لم أجد في هذا الموضع إلا قوله: ومعنى الآية: يكاد ما في القرآن من الحجج يخطف قلوبهم من شدة إزعاجها إلى النظر في أمر دينهم.]]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني: ذا أمن يأمن فيه الناس. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون بحرمة الحرم [["تفسير الثعلبي" 8/ 149 ب.]]. وقال قتادة: كان أهل الحرم آمنين، يذهبون حيث شاءوا، فإذا خرج أحدهم قال: أنا من أهل الحرم، لم يَعْرِض له أحد، وكان غيرهم يقتل ويسلب [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 92، وابن جرير 20/ 94، وابن أبي حاتم 9/ 2996.]]، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. قال مقاتل: يقول: هم آمنون في الحرم من القتل والسبي، فكيف يخافون إذا أسلموا [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال أبو إسحاق: أعلمهم الله بأنه قد تفضل عليهم بأن أمنهم بحرمة البيت، ومنع منهم العدو. أي: فلو آمنوا لكانوا أولى بالتمكين والسلامة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وقال الفراء: أو لم نسكنهم حرمًا لا يخاف مَنْ دخله، فكيف يخافون أن تَستَحِل العرب قتالَهم فيه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308.]]. وقال ابن قتيبة: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ أي: أو لم نسكنهم، ونجعله مكانًا لهم [["غريب القرآن" 333، بلفظ: نسكنهم إياه.]]. قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: يجمع إليه [["تفسير الثعلبي" 8/ 149 ب.]]، وهو من قولك: جِبْتُ الماءَ في الحوض؛ إذا جمعته [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 108. و"تفسير ابن جرير" 20/ 94، ولم ينسبه.]]. وقال الفراء في "مصادر القرآن": جببت المال والماء جباية، إذا جمعته وجبوته جباوة. والجباية: الحوض العظيم. والجبا مقصور: الماء المجموع [["تهذيب اللغة" 11/ 214 (جبا)، من قول الكسائي: الجبا مقصور. ولم أجد فيه ما قبله.]]. وقرئ ﴿يُجْبَى﴾ بالياء والتاء [[قرأ نافع وحده: ﴿تُجْبَى﴾ بالتاء، وقرأ الباقون: ﴿يُجْبَى﴾ بالياء. "السبعة في القراءات" 495، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 424، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 178.]]، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع، وليس بتأنيث حقيقي، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الوعظ، والموعظة، والصوت، والصيحة، فإذا ذُكِّرَت كان حسنًا، وكذلك إذا أنثت. ذكر ذلك صاحب الحجة [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 424.]]. وقال الفراء: ذُكَّرَت ﴿تُجْبَى﴾ وإن كانت الثمرات مؤنثة؛ لأنك فرقت بينهما بإليه، كما قال الشاعر: إنَّ امْرَأً غَرَّه منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308، ولم ينسب البيت. واستشهد به ابن جني "الخصائص" 2/ 414، على تذكير المؤنث. واستشهد به كذلك الأنباري، "الإنصاف" 1/ 174، وفي حاشيته: الشاهد فيه: غره منكن واحدة، حيث أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، ولم يؤنث الفعل لوجود فاصل بين الفعل وفاعله وهو: منكن. ولم أقف على قائل البيت.]] وبهذه العلة اختار أبو عبيد التذكير؛ فقال: قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يعني: يُحمل إلى الحرم ثمرات كل شيء [["تفسير مقاتل" 67 ب. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2996، عن ابن عباس بلفظ: ثمرات الأرض.]]؛ من مصرَ والشام واليمن والعراق. وقوله: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رزقناهم رزقًا من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ يعني: أهل مكة [["تفسير مقاتل" 67 ب. و"تفسير ابن جرير" 20/ 94.]] ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنا فعلنا ذلك. قال مقاتل: أي: إنهم يأكلون رزقي آمنون في حرمي، وهم يعبدون غيري [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال ابن عباس. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ قدر ربوبيتي وعظمتي [[أخرج ابن أبي حاتم 9/ 2996، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعقلون.]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.