الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ
ثم خوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ معنى البَطَر في اللغة: الحيرة، والبطر في النعمة هو: أن تكثر عليه النعمة فيدْهشَ فيها، ولا يهتدي للشكر عليها [["تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر). والدَّهَش: ذهاب العقل من الذَّهْل والوَلَه. "تهذيب اللغة" 6/ 77 (دهش).]]. قال الليث: البطر: الحَيرة، يقال: لا يُبْطِرن جَهلُ فلانٍ حِلمكَ. أي: لا يُدْهشكَ عنه [[كتاب "العين" 7/ 422 (بطر). ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 336.]]. ومنه قوله -ﷺ-: "الكِبْر بطر الحق" [[جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر" قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَة قَالَ: "إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَق وَغَمْطُ النَّاسِ". أخرجه مسلم 1/ 93 في الإيمان" رقم 91. والترمذي 4/ 317، كتاب البر، رقم 1998.]]، وهو أن يتحير في الحق فلا يراه حقًا [["تهذيب اللغة" 13/ 336 (بطر).]]. هذا هو أصل معنى البطر. وقال أبو إسحاق: البطر: الطغيان عند النعمة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وبطر الحق على قوله: أن تطغى عند الحق؛ أي: تتكبر فلا تقبله. وقال أبو علي الفارسي: البطر فيما قال بعض الناس: كراهة الشيء من غير أن يستحق أن يكره. وانتصاب المعيشة عند الفراء بنقل الفعل وتحويله عنها، فإنه قال: نَصبُكَ المعيشةَ، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] وكنَصْب قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: 77] وقد مر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 308. قال الواحدي في تفسير الآية 4، من سورة النساء: قال الفراء والزجاج: المعنى فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجهًا، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسَّرًا لموقع الفعل، ومثله: قررت به عينًا، وضقت به ذرعًا.]]. وقال الزجاج: نُصب ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بإسقاط في، وأُعملَ الفعلُ، وتأويله: بطرت في معيشتها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 150.]]. وهذا هو الوجه؛ لأن المعيشة لا تبطر، حتى يقال: كان الفعل لها، فنقل عنها: إنما يُبطر فيها [[وهذا قول الثعلبي 8/ 150 أ: أي: أشرف وطغت وكفرت بربها، وجعل الفعل للقرية، وهو في الأصل للأهل.]]. قال ابن عباس: حملهم البطر والأشر. وقال مقاتل: بطروا وأشروا، وتقلبوا في رزق الله، فلم يشكروا نعمه [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وقال عطاء: عاشوا في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ، عن عطاء بن أبي رباح.]]. قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال مقاتل: لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلاً من المساكن، فقد سكن في بعضها [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]. وعلى هذا الاستثناء من المساكن، يعني: أن بعضها مسكون فيه. وهذا القول هو اختيار الفراء؛ قال: يقول: قليل منها سُكن، وأكثرها لم يسكن، وهي خَرِبَة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 309.]]. ورُدَّ عليه هذا بأن قيل: لو كان الاستثناء من المساكن، كان الوجه فيه الرفع، كقولك: القوم لم يُضرب إلا قليلٌ، ترفع إذا كان المضروب قليلاً، فإذا نصبت: كان القليل صفة للضرب أي: لم يُضرب إلا ضربًا قليلاً. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية؛ قال: لم يسكنها إلا المسافر، ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ. ونقل الرد على الفراء وقول ابن عباس: القرطبي 13/ 301.]]. وعلى هذا التقدير: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلاً. وهذا هو الصحيح معنًى ولفظًا؛ لأن منازل المهلَكين لم يعمر منها شيء، ولم تسكن بتة. وقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: لِما خَلَّفوا بعد هلاكهم [["تفسير مقاتل" 67 ب.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 150 أ.]] [مريم: 40] وقد مر [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية من سورة مريم. أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها؛ لأني أميتهم، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: 23] وذكرنا الكلام فيه.]].