الباحث القرآني

وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ثم أخبر أن الليل والنهار رحمة فقال [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 152، بنصه.]]: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قال الكلبي: ومن نعمته أن جعل لكم الليل والنهار [["تنوير المقباس" 330]] ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: جعل لكم الليل لتأووا فيه مع أزواجكم، والنهار لتلتمسوا فيه من فضل الله. وقال الكلبي: السكون بالليل، والتماس المعيشة بالنهار [["تنوير المقباس" 330.]]. وعلي هذا قال الفراء: تجعل الهاء في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ راجعة على الليل خاصة، وأَضمرتْ للابتغاء هاءً أخرى تكون للنهار، قال: وإن شئت جعلت الليل والنهار كالفعلين؛ لأنهما ظلمة وضوء، فرَجتْ الهاء في ﴿فِيهِ﴾ عليهما جميعًا، كما تقول: إقبالك وإدبارك يؤذيني؛ لأنهما فعل، والفعل يُرَدُّ كثيره وتثنيته إلى التوحيد، فيكون ذلك صوابًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 310.]]. وذكر أبو إسحاق الوجهين أيضًا؛ فقال في الوجه الأول: المعنى: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ بالليل، وتبتغوا من فضله بالنهار، قال: وجائز: أن تسكنوا فيهما، وأن تبتغوا من فضل الله فيهما، فيكون المعنى: جعل الله لكم الزمان ليلاً ونهارًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 153.]]. وقال المبرد: السكون إنما هو في الليل، والابتغاء من فضله يكون بالنهار، ولكن لما عطف أحدهما على الآخر، أُخرجا مخرج الواحد الجامع للشيئين. ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدًا وعمرًا، لتلقين منهما شجاعة وفصاحة؛ على أن الفصاحة لأحدهما، والشجاعة لأحدهما. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي الذي أنعم عليكم بهما فتوحدونه. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 68 ب.]]. وقال ابن عباس. يريد: لكي تطيعوا [[في نسخة: (أ): تطيعوه.]].