الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال أبو إسحاق: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتوراة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156.]]. وقال الفراء: على فضلٍ عندي، أي: كنت أهله ومستحقًا له [[في نسخة: (ج): ومستحقه.]] إذ أعطيته لفضل علمي [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 335، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير 20/ 113، عن ابن زيد، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3012، وأخرج نحوه أيضًا عن السدي.]]. ويروى أنه كان أقرأَ رجلٍ في بني إسرائيل للتوراة؛ فقال: إنما فضلني الله بهذا المال عليكم كما فضلني عليكم بالعلم [[ذكره نحوه الثعلبي 152 أ، ولم ينسبه.]]. وهذا معنى قول مقاتل: على خيرٍ عَلِمه الله عندي [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فكفر؛ يعني: كفر لَمَّا رأى أن المال حصل له بعلمه، ولم يَرَ ذلك من عطاء الله إياه، فكأنه أراد: بعلمه في التصرف، وأنواع المكاسب؛ ويدل على هذا المعنى ما روى علي بن زيد بن جُدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل [[عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث الهاشمي، أبو محمد المدني، أمير البصرة، ولد في حياة النبي -ﷺ- لأبيه وجده صحبة، مجمع على ثقته، حدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وغيرهم -رضي الله عنهم- حدث عنه ابنه إسحاق، وعبد الله، وابن شهاب، وعمر بن عبد العزيز، وآخرون. ت: 79 هـ، وقيل غير ذلك. "سير أعلام النبلاء" 1/ 200، و"تقريب التهذيب" 498.]] أنه ذَكَر سليمان بن داود فيما أوتي من الملك، ثم قرأ قوله: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40] ولم يقل: هذا من كرامتي، ثم ذكر قارون فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أن سليمان -عليه السلام- رأى ما أُعطي فضلاً من الله عليه، وقارون رأى ذلك من نفسه [[أخرجه ابن جرير 20/ 118.]]. وقال الكلبي: قال ابن عباس: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بصنعة الذهب [["تنوير المقباس" 330.]]. قال الزجاج: والذي روي أنه كان يعمل الكيمياء لا يصح؛ لأن الكيمياء باطل لاحقيقة له [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 156. وذكر الثعلبي 8/ 152 أ، عن سعيد بن المسيب، أن قارون كان يعلم الكيمياء. والكيمياء: الحيلة والحذق، ويراد بها عند القدماء: تحويل بعض المعادن إلى بعض؛ فهو علم يُعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية، وجلب خاصة جديدة إليها؛ ولا سيما تحويلها إلى ذهب. وأما عند المحدثين فهو علم يبحث فيه عن خواص العناصر المادية والقوانين التي تخضع لها الظروف المختلفة، وبخاصة عند اتحاد بعضها ببعض. "المعجم الوسيط" 2/ 808. ولذلك تكلم عنها أهل العلم وذموا متعاطيها لما فيها من الغش والتدليس والخداع؛ إذ فيها يُشبه المصنوع بالمخلوق، وقصد أهلها أن يُجعل هذا كهذا فينفِّقونه، ويعاملون به الناس، وهذا من أعظم الغش .. ولهذا لا يُظهرون للناس إذا عاملوهم أن هذا من الكيمياء، ولو أظهروا للناس ذلك لم يشتروه منهم فالمصنوع من الكيمياء يستحيل ويفسد ولو بعد حين، بخلاف الذهب المعدني. "مجموع الفتاوى" 29/ 370. وذكر شيخ الإسلام أنه ناظر أحد رؤوس هؤلاء المتعاملين بالكيمياء فكان بما اعترض به على شيخ الإسلام أن قال: إن قارون كان يعمل الكيمياء، فرد عليه الشيخ بقوله: وهذا أيضًا باطل؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمن لا يُسمي، وفي "تفسير الثعلبي" الغث والسمين، فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ فإخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، والكنوز إما أن يكون هو كنزها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآيه، وإما أن تكون اطلع على كنائز مدفونه، وهو الركاز، وهذا لا ريب أنه موجود. "مجموع الفتاوى" 29/ 377. ذكر الداوودي في "طبقات المفسرين" 2/ 96، أن لابن القيم كتابًا في بطلان == الكيمياء من أربعين وجهًا. وذكر هذا الكتاب الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: "ابن قيم الجوزية حياته وآثاره" 136، وأفاد أنه لم يقف على نسخة خطية لهذا الكتاب.]]. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ قارون ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ في الدنيا حين كذبوا رسلهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. قال ابن عباس ومقاتل: يريد نمروذ بن كنعان، الجبار، وغيره [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: الملائكة لا تَسأل عنهم [[من هنا بدأت النسخة: (ج)، بعد السقط الذي كان فيها.]] قد عرفتهم زرقًا، سود الوجوه [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 2013. وذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]. وقال الكلبي: لا يُسأل الكافر عن ذنبه، كل معروف بسيماه [["تنوير المقباس" 330.]]. واختار الفراء هذا القول [[القول، من نسخة (ج).]]؛ فقال: يقول: يعرفون بسيماهم، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، [الرحمن: 39] ثم قال: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 311. وذكره ابن قتيبة، في "معاني القرآن" 335، ولم ينتقده.]]. وهذا القول لا يصح؛ لأن سؤالهم عن ذنوبهم ليس لمعرفتهم وليعرفوا، ولو قيل: ولا يَسأل عن المجرمين، لصح المعنى الذي ذهبوا إليه. والصحيح ما قال قتادة؛ قال: إنهم يدخلون النار بغير حساب [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 94، وابن جرير 20/ 114، وابن أبي حاتم 9/ 3013.]]. فأما قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)﴾ [الحجر: 92] فإنهم يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ؛ كما قال الحسن في هذه الآية: لا يُسألون ليُعلم ذلك مِنْ قِبَلِهم، وإن سئلوا فسؤال تقريع وتوبيخ [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 152 ب.]]. وقال أهل المعاني: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال من لعل له عذرًا يسقط لائمته [[في نسخة: (أ)، (ب): عذرًا سقط عنه.]]. وقال مقاتل: يقول لا يُسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها [["تفسير مقاتل" 69 أ.]]. وعلى هذا القول الكناية في: ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ لا تعود [إلى المجرمين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]]، إنما تعود إلى مَنْ أهلك الله من القرون؛ وهو أيضًا ليس بالقوي.