الباحث القرآني

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ قال ابن عباس: أنزل عليك القرآن [[بنصه عند الفراء، وأبي عبيدة، ولم ينسباه. "معاني القرآن" 2/ 313. و"مجاز القرآن" 2/ 112]]. ونحو ذلك قال مقاتل والمفسرون [[لم أجده عند مقاتل، وأخرجه ابن جرير 20/ 132، وابن أبي حاتم 9/ 3025، عن مجاهد. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن أكثر المفسرين، ولم يسمهم.]]. قال أبو إسحاق: معنى ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أنزله عليك، وألزمك، وفرض عليك العمل بما يوجبه القرآن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 157، قال ابن قتيبة: أي: أوجب عليك العمل به. "غريب القرآن" 336.]]. وتقدير الآية ما ذكره أبو علي؛ فقال: المعنى: فرض عليك أحكام القرآن، وفرائض القرآن. وعلى هذا: الآية من باب حذف المضاف، وقول المفسرين معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن الذي فَرض عليه فرائض القرآن هو الذي أنزله، وفرض فرائضه بإنزاله، فقيل فيه: أنزل القرآن. ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: مكة [["تفسير الثعلبي" 8/ 154 ب، من قول عطاء بن أبي رباح.]]. ونحو ذلك روى العوفي عنه [[أخرجه البخاري، من طريق عكرمة، في التفسير، رقم 4773، "فتح الباري" == 8/ 509، وأخرجه النسائي، في كتاب التفسير 2/ 147، رقم: 406، عن عكرمة عن ابن عباس، وابن جرير 20/ 125، من طريق عكرمة، وسعيد بن جبير. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن العوفي عن ابن عباس.]]. وهو قول الكلبىِ ومقاتل؛ قالا: لما نزل النبي -ﷺ- الجُحفة [[الجُحفة: قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، فإن مروا على المدينة فميقاتهم ذو الحليفة. "معجم البلدان" 2/ 129. وتوجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي 22 كم. "معجم المعالم الجغرافية" 80.]] في مسيره إلى المدينة من مكة لما هاجر اشتاق إليها، وذكر مولده ومولد آبائه، فأتاه جبريل فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال النبي -ﷺ-: "نعم"، فقال جبريل: فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني إلى مكة ظاهرًا عليهم، فنزلت هذه الآية بالجُحفة، وليست مكية ولا مدنية [["تفسير مقاتل" 69 ب. و"تأويل مشكل القرآن" 425، ونسبه لأبي صالح، و"غريب القرآن" لابن قتيبة 336. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن مقاتل. ويعني بقوله: ليست مكية ولا مدنية: المكان، أما من ناحية التعريف الاصطلاحي فالراجح أن ما كان قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل خارج مكة، وما كان بعد الهجرة فهو مدني، وإن نزل خارج المدينة، والله أعلم. "البرهان في علوم القرآن" 1/ 239، و"الإتقان في علوم القرآن" 1/ 11.]]. ونحو هذا روى الضحاك عن [[في نسخة: (ب): عن مجاهد وابن عباس.]] ابن عباس في نزول الآية بالجحفة [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3026، من قول الضحاك. وذكره الثعلبي 8/ 154 ب، عن الضحاك عن ابن عباس.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس، ويونس عن مجاهد: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مولدك: مكة [[أخرجه ابن جرير 20/ 125، عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد من طريق يونس بن عمر، وهو ابن أبي إسحاق. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 336، ونسبه لمجاهد.]]. وهو قول الضحاك، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 313. واقتصر عليه أبو القاسم الزجاجي، في كتابه: "اشتقاف أسماء الله تعالى" 438.]]. وعلى هذا قيل لمكة: معاد؛ لأن معاد الرجل: بلده، وذلك أنه يتصرف في أسفاره، ثم يعود إلى بلده [["تأويل مشكل القرآن" 425.]]. وذكر الفراء وجهين آخرين؛ فقال: المعاد هاهنا، إنما أراد به حيثُ وُلدتَ، وليس من: العَود. قال: وقد يكون أن يجعل قوله ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ لَمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 313.]]. فالوجه الأول: معنى المعاد: المولد. وهو قول أحمد بن يحيى. والوجه الثاني: المعاد: مصدر بمعنى: العود. القول الثاني في المعاد، أنه: الجنة. وهو قول [أبي سعيد الخدري؛ قال: معاده: آخرته الجنة. ورواية السدي عن أبي صالح، و] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواية ليث عن مجاهد [[أخرجه ابن جرير 20/ 124، وابن أبي حاتم 9/ 3026، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه عن السدي من طريق أبي صالح، وأخرجه عن مجاهد أيضًا. وأخرجه عن ابن عباس، أبو يعلى الموصلي 2/ 370، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. "مجمع الزوائد" 7/ 88]]. وعلى هذا معنى المعاد: الموضع الذي يصير إليه. [فكل شيء إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] المصير فهو: المعاد. ومصيره -ﷺ- في الآخرة إلى الجنة، فهي معاده. القول الثالث في المعاد: أنه القيامة. وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: يحييك يوم القيامة. وهو قول الحسن والزهري؛ قالا: معاده: الآخرة [[أخرجه عنهما عبد الرزاق 2/ 94، وأخرجه ابن جرير 20/ 124، عن عكرمة وعطاء ومجاهد والحسن والزهري، وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3026، عن ابن عباس، من طريق عكرمة، وعن مجاهد، وقتادة.]]. واختاره الزجاج؛ فقال: أكثر التفسير: لباعثك، وعلى هذا كلام الناس: اذكر المَعَاد، أي: اذكر مبعثك في الآخرة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 158.]]. وذُكر فيه قولٌ رابع: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى الموت؛ رواه الأعمش عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير [عن ابن عباس، وروي ذلك أيضًا عن أبي سعيد الخدري] [[ما ببن المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب). وأخرج هذا القول ابن جرير 20/ 125، عن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، وأخرجه أيضًا عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3025، عن ابن عباس، من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة ومجاهد مثله. وذكره الثعلبي 8/ 155 أ، عن سعيد بن جبير، وابن عباس.]]. وأهل المعاني اختاروا القول الثاني؛ وقالوا: المعنى: إنه يعود في النشأة الثانية إلى الجنة. وتم الكلام عند قوله: ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾ ثم ابتدأ كلامًا آخر فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ قال مقاتل: هذا جواب لكفار مكة لما كذبوا محمدًا، وقالوا له: إنك في ضلال، فأنزل الله: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [وأنا الذي جئت بالهدى، وهو أعلم بـ ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ نحن أم أنتم [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]، وهذا كقوله: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).]] [﴿مِنْ عِندِهِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).]] وقد تقدم في هذه السورة [[عند الآية: ﴿وَقَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [37].]]. و (مَنْ) هاهنا في موضع نصب، بإسقاط الخافض منه.