الباحث القرآني

وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: لا تعبد معه غيره [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]. قال ابن عباس: هذا تخويف للمشركين، وأما النبي -ﷺ- فقد عصمه الله من أن يتخذ معه إلهًا [آخر. أي: لا تعبد معه غيره. قال ابن عباس:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).]] يريد: أنه إذا نُهي عن عبادة غير الله، كان ذلك تخويفًا لمن عبد معه غيره. وهذا فائدة النهي عن عبادة غيره بعد أن عُصم عن ذاك، وحكم له بالنبوة في سابق الحكم. ثم وحَّد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [["تفسير مقاتل" 70 أ.]] قال ابن عباس: يريد: إلا ما أريد به وجهه [[ذكره البخاري، ولم ينسبه، وصدره بقوله: ويقال. "فتح الباري" 8/ 505. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3028، عن مجاهد. واقتصر على هذا القول النيسابوري، في "وضح البرهان" 2/ 158، ولم ينسبه.]]. وهو قول الكلبي؛ قال: كل عمل لغيره فهو هالك، إلا ما كان له [["تنوير المقباس" 331.]]. وقال سفيان: إلا ما أريد به وجه الله من الأعمال [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3028.]]. وهو اختيار الفراء، وأنشد قول الشاعر: استغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيه ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ أي: إليه أوجه العمل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 314. ولم ينسب البيت. وأنشده سيبويه 1/ 37، ولم ينسبه، وفي الحاشية: البيت من الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه، ولا يعرف قائلها. وذكره ابن جرير 9/ 127، بعد أن قال: وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما أريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك بقول الشاعر، فذكر البيت، ولم ينسبه. وفي الحاشية: وهو شاهد عند النحاة على أن أصله: أستغفر الله من ذنب، ثم أسقط الجار فاتصل المجرور بالفعل فنصب مفعولًا به. وأنشده ابن جني، "الخصائص" 3/ 247، ولم ينسبه.]]. فعلى هذا وجهُ الله ما وُجِّه إليه من الأعمال. والمعنى ما ذكره الكلبي. وقال مقاتل: يقول كل شيء من الحيوان ميت، ثم استثنى نفسه بأنه حي لا يموت؛ فقال: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: إلا هو [["تفسير مقاتل" 70 أ. وهو قول أبي عبيدة "مجاز القرآن" 2/ 112. وهذا أقرب إلى ظاهر الآية، والله أعلم.]]. ونحو هذا روي عن مجاهد [[الذي روي عن مجاهد كما سبق: إلا ما أريد به وجهه.]]، واختاره الزجاج؛ فقال: ومعنى: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إلا إياه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 158، واقتصر عليه ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 254، 480.]]. وعلى هذا: الوجه، صلةٌ في الكلام. وقال ابن كيسان: إلا ملكه [[ذكره البخاري، ولم ينسبه. "الفتح" 8/ 505.]]. والوجه يجوز أن يكون عبارة عن: المُلك؛ لأن الوجه من الوجاهة، والمَلِك مِنْ أوجه الناس، فسمي المَلِك وجهًا. وهذا معنى قول الضحاك في هذه الآية: كل شيء هالك إلا الله، والجنة، والنار، والعرش. والاختيار: القول الأول، وهو الذي يليق بمعنى الآية [[إن كان المقصود من هذا إنكار صفة الوجه لله -عز وجل- فهذا قول باطل؛ فالوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. "أضواء البيان" للشنقيطي 6/ 457. والقول بأن المراد بالوجه في الآية ما أريد به وجه الله من الأعمال قول صحيح، لا ينافي القول الأول فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله -عز وجل- من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية، وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول والآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. "تفسير ابن كثير" 6/ 262. لكن لا يجوز أن يُفهم من القول الثاني إنكار صفة الوجه؛ وكلام الواحدي يُشعر بذلك، حيث قال الواحدي بعد ذكره مؤيدًا له: وهو الذي يليق بمعنى الآية. وصرح الواحدي بنفي صفة الوجه في تفسير: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26، 27] قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي: ربك الظاهر بأدلته ظهور الإنسان بوجهه. "الوسيط" 4/ 221. وفي "البسيط" ذكر القول الذي اقتصر عليه في "الوسيط"، وزاد قولاً آخر؛ وهو: ويبقى ربك، وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم، كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم. ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله: ﴿ذُو﴾ بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل: ذيَ، ليكون صفة لقوله ربك. أهـ وهذا التعليل الذي ذكره الواحدي وصرف به الآية عن ظاهرها ليس بوجيه فإن == ﴿ذُو﴾ صفة للوجه الذي أضيف إلى الله -عز وجل-، فعبر بالوجه عن الذات. قال ابن كثير 6/ 261، في تفسير آية القصص: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.]]. وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ قال الكلبي: له الحكم في الآخرة [["تنوير المقباس" 331.]]، يعني: له الفصل بين الخلائق دون غيره ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم [["تفسير مقاتل" 70 أ.]]، ويقضي بينكم [[في نهاية النسخة: (ج)، كتب: تم الجزء السابع من كتاب "البسيط" في التفسير، تصنيف: الإمام: الواحدي، ويتلوه الجزء الثامن، سورة العنكبوت، على يد الفقير إلى رحمة ربه: محمد علي محمد الأنصاري، في رابع ربيع الآخر، سنة سبع وستمائة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد رسوله وصحبه وسلم تسليما. ا. هـ.]].