الباحث القرآني

الم
﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ قال الشعبي: لما نزلت آية الهجرة كتب بها المسلمون إلى إخوانهم بمكة، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق أدركهم المشركون، فردوهم، فأنزل الله: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ عشر آيات من أول السورة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 95. وابن جرير 20/ 129، وابن أبي حاتم 9/ 3031. وذكره الثعلبي 8/ 155 ب، والواحدي "أسباب النزول" 340.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء؛ وقال: يريد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر بن عامر، وسمية أم عمار [[سلمة بن هشام، هو أخو أبي جهل، من السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فحبسه أخوه وكان النبي -ﷺ- يدعو له ولعياش بن أبي ربيعة في القنوت، ثم هرب مهاجرًا بعد الخندق، -رضي الله عنه-. "سير أعلام النبلاء" 1/ 316، "الإصابة في معرفة الصحابة" 3/ 120. == - عياش بن أبي ربيعة، اسم أبيه: عمرو بن المغيرة، وكان عياش من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل فرجع إلى مكه، ثم فرَّ مع رفيقيه، الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعاش إلى خلافة عمر -رضي الله عنه-، فمات سنة: خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. وقيل: استشهد في اليمامة، وقيل: اليرموك. "فتح الباري" 8/ 227، و"الإصابة" 5/ 47. و"سير أعلام النبلاء" 1/ 316. - الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أُسر مع من أسر من المشركين في بدر، ثم أسلم بعد ذلك، فلما أسلم حبسه أخواله فكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت مع غيره من المستضعفين، ثم أفلت من أسرهم ولحق بالنبي -ﷺ- في عمرة القضية. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 34، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 323. - ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، حليف لبني مخزوم، يكنى: أبا عمار بابنه عمار بن ياسر، كان قد قدم من اليمن، وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، وزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، وجاء الله بالإِسلام فأسلم ياسر وابنه عمار وسمية، وعبد الله أخو عمار بن ياسر، وكان إسلامهم قديمًا في أول الإسلام، وكانوا ممن يعذب في الله، وقتل ياسر وسمية وعبد الله وهم يعذبون -رضي الله عنه-. "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" 11/ 99، و"الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 332. وقد ثبت في الصحيح دعاء النبي -ﷺ- لعياش بن أبي ربيعة، ومن كان معه من المستضعفين في مكة، في حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول: "اللَّهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللَّهم أنج سلمة بن هشام، اللَّهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشدد وطأتك على مُضر، اللَّهم اجعلها سنين كسني يوسف". قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح. أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، رقم الحديث (1006) ، "فتح الباري" 2/ 492. وأخرجه مسلم 1/ 467، في المساجد، رقم (675)، وفي آخره قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله -ﷺ- ترك الدعاء بعدُ فقلت: أرى رسول الله -ﷺ- قد ترك الدعاء لهم قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا. وفي حاشية صحيح مسلم: وما تراهم قد قدموا، معناه: ماتوا!. ولم أجد هذا المعنى في =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعدة من بني مخزوم، وغيرهم من قريش [[لم أجد هذا القول، وهناك قول آخر في سبب النزول؛ ذكره مقاتل 70 ب؛ قال: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، وهو أول من يدعى إلى الجنة من شهداء أمة محمد -ﷺ-، فجزع عليه أبواه. وذكره عنه الثعلبي 8/ 155 ب. والواحدي في "أسباب النزول" 340. وقال عنه الزيلعي: غريب. "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 39، وساق ما روي في شأن مهجع -رضي الله عنه-. ولا تعارض بين هذه الأسباب فكلها أمثلة لمن حصل لهم البلاء بسبب إيمانهم. وحكمها باقٍ؛ قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد -ﷺ-، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونِكاية العدو، وغير ذلك.]]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿الم﴾ قال: أنَّ الله أعلم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3029، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير، وأبي الضحى. وسبق ذكر رأي الواحدي في الحروف المقطعة والتعليق عليه في أول سورة الشعراء.]]. وقال عكرمة: ﴿الم﴾ أَن قسم [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3030.]]. واختار الزجاج قول ابن عباس [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقال في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ اللفظ لفظ استخبار، والمعنى معني تقرير وتوبيخ، ومعناه: أحسبوا بمعنى الذين جزعوا من أذى المشركين أن نقنع منهم بأن يقولوا: إنا مؤمنون فقط، ولا يمتحنون بما يتبين به حقيقة إيمانهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. وقوله: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (أن) في موضع نصب بحَسِب. وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ (أن) في موضع نصب من جهتين؛ ذكرهما الفراء والزجاج؛ إحداهما أن التقدير: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ لأن يقولوا أو بأن يقولوا، فلما حذف حرف الخفض وصل ﴿يُتْرَكُوا﴾ إلى أن فنصب. والثانية: أن تجعل ﴿أَحَسِبَ﴾ مكررة عليها، المعنى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسبوا [[أحسبوا. زيادة من الفراء.]] ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 314. التقدير على هذا القول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ أحسب الناس ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ وجملة ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ متعلقة بالحالين: الترك، والقول. والله أعلم.]] قال أبو إسحاق: الأولى أجود [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 159.]]. قال أبو علي: إن تَرَك، يتعدَى إلى مفعول واحد، فإنْ بُنِيَ للمفعول لم يتعدَّ إلى آخَر، فـ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لا يتعلق به ولا يتعدى إليه، حتى يقدر محذوفٌ [[محذوف، من نسخة: (ب).]] حرفٌ، ثم يُقدَّرُ الحرفُ فيصل الفعل [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 2/ 221 أ. والحرف المقدر هو ما سبق ذكره في قول الفراء والزجاج: لأن يقولوا، أو: بأن يقولوا.]]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال ابن عباس والسدي ومجاهد وقتادة: لا يفتنون في إيمانهم وأموالهم وأنفسهم [[أخرجه ابن جرير 20/ 128، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق 2/ 96، وابن جرير 20/ 128، عن قتادة بلفظ: لا يبتلون. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس.]]. قال مقاتل وقتادة: يقول: أحسبوا أن يتركوا على التصديق بتوحيد الله وهم لا يبتلون بالقتل وبالتعذيب في الدنيا بقولهم: آمنا [["تفسير مقاتل" 70 ب، بمعناه. قال ابن قتيبة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أي: لا يقتلون ولا يعذبون. "غريب القرآن" 337.]]، وهم لا يعاملون معاملة المختَبَر لتظهر الأفعال التي يُستحق عليها الجزاء، ثم أخبر عن فتنة مَنْ قبل هذه الأمة من المؤمنين [["تفسير مقاتل" 70 ب.]] بقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.