الباحث القرآني

وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ اختلفوا في تقدير الآية على وجهين، فقال الفراء: يقول القائل: كيف وَصَفهم بأنهم لا يُعجزون في الأرض ولا في السماء، وليسوا من أهل السماء فالمعنى والله أعلم: ما أنتم [[أنتم، غير موجودة في نسخة: (أ)، (ب).]] بمعجزين في الأرض، ولا مَنْ في السماء بمعجز، وهو من غامض العربية؛ للضمير الذي لم يظهر في الثاني، ومنه قول حسان: أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحُهُ وينصرُه سواءُ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 315. ونسب البيت لحسان، وعن الفراء أنشده ابن جرير 20/ 140. وهو في "ديوانه" 9، من قصيدة له في مدح النبي -ﷺ-، قبل فتح مكة. بلفظ: فمن يهجو.]] أراد: ومن يمدحه ومن ينصرهُ فأضمر. ومثله في الكلام: أكرم من أتاك، وأتى أباك؛ يعني: وأكرم مَنْ أتى أباك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 315. ونحوه عند ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 217، و"غريب القرآن" 338.]]. وهذا موافق لتفسير ابن عباس والكلبي، قال ابن عباس: يريد: لا يُعجزني أحدٌ من أهل الأرض، ولا من أهل السماء [[أخرج نحوه ابن جرير 20/ 139، وابن أبي حاتم 9/ 3047، عن ابن زيد.]]. وقال الكلبي: يقول: وما أنتم بسابقي في الأرض هربًا، ولا أحدٌ من أهل السماء سابقي [["تنوير المقباس" 333، مثل قول ابن عباس.]]. وهذا وجه. والوجه الثاني: قال قطرب: معناه: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقوله: ما يفوتني فلان بالبصرة، ولا هاهنا في بلدي. يعني: ولا بالبصرة لو صار إليها [[ذكره عن قطرب ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 266. وهو قول الأخفش؛ قال: أي: لا تعجزوننا هربًا في الأرض ولا في السماء. "معاني القرآن" 2/ 656.]]. وهذا الوجه موافق لتفسير مقاتل؛ فإنه يقول في معنى الآية: وما أنتم يا كفارُ سابقي الله فتفوتونه؛ في الأرض كنتم، أو في السماء كنتم، أينما تكونوا حتى يجزيكم بأعمالكم السيئة [["تفسير مقاتل" 72 أ.]]. وذكر أبو إسحاق القولين موجزًا؛ فقال: معناه: ما أنتم بمعجزين في الأرض، ولا أهل السماء بمعجزين. ويجوز: وما أنتم بمعجزين في الأرض، لا ولو كنتم في السماء. أي: لا ملجأ من الله إلا إليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 165.]]. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منِّي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابي. قاله ابن عباس [["تنوير المقباس" 334، بنحوه.]].