الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ
﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ اختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: (مَّوَدَّةُ) بالرفع ﴿بَيْنِكُمْ﴾ [["السبعة في القراءات" (498)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 343.]] ولهذه القراءة ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجعل: ما اسم: إن، ويضمر ذكرٌ مَّا يعود إلى: ما، فيكون التقدير: إن الذين اتخذتموهم من دون الله ﴿أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ فتصير (مَّوَدَّةُ): خبر إن، وتجعل المودة: ما اتخذوا على الاتساع؛ لأنها كانت سبب مودتهم، أو يقدر المضاف على تقدير: إن الذين اتخذتموهم أوثانًا ذوو مودةِ بينكم. الوجه الثاني: أن يضمر: هو، ويجعل: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ خبرًا عنه، والجملة في خبر إن. هذا قول أبي علي [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.]]، وذكر الزجاج هذين الوجهين؛ فقال: من رفع (مَّوَدَّةُ) فمن وجهين؛ أحدهما: أن تكون: (مَا) في معنى: الذي، ويكون المعنى: إن ما اتخذتموه من دون الله أوثانًا مودةُ بينكم، فتكون (مَّوَدَّةُ): خبر إن، قال: ويجوز أن ترفع (مَّوَدَّةُ) على إضمار: هي، كأنه قال: تلك مودةُ بينكم في الحياة الدنيا، أي: أُلْفَتُكم واجتماعكم على الأصنام مودةُ بينكم في الحياة الدنيا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 167.]]. الوجه الثالث: ذكره الفراء؛ فقال: من رفع فإنما يرفع بالصفة بقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وينقطع الكلام عند قوله: (أَوْثَانًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316.]]. وعلى هذا: (مَّوَدَّةُ) رُفع بالابتداء، وخبره: (في) الظرف، والمعنى: إنما مودةُ ما بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 316، من قوله: إنما مودة بينكم.]]. قال أبو علي: وإضافة المودة إلى بينكم اتساع في الظرف؛ لأنه جعل اسمًا بالإضافة إليه، ومثل ذلك: قراءة من قرأ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر == وابن عامر وحمزة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ رفعًا، وقرأ نافع والكسائي: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ نصبا. "السبعة في القراءات" 263. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 164، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 260.]] قال الشاعر: صلاءة وَرْسٍ وسطُها قد تفلَّقا [[أنشده أبو علي، ولم ينسبه، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 429. وأنشده كاملاً، ونسبه للفرزدق أبو زيد، في النوادر 163، وابن جني، "الخصائص" 2/ 369، وصدره: أتته بمجلوم كأن جبينه وفي حاشية "الخصائص": المجلوم: المحلوق، أراد به من المرأة، والصلاءة: مدق الطبيب، والورس: نبت أصفر. وعند أبي زيد: بمحلوم، وصلاية. والشاهد فيه: إخراج: وسط، عن الظرفية. قال البغدادي، الخزانة 3/ 92: فوسطها مرفوع على أنه مبتدأ، وجملة: قد تفلق خبره. لم أجده في ديوان الفرزدق.]] وقرأ عاصم في بعض الروايات: (مَّوَدَّةٌ) بالرفع والتنوين (بَيْنَكُمْ) نصبًا [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾، ورواية الأعشى عن أبي بكر: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾. "السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للمَراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]. ووجه هذه القراءة: الوجهان [[لعل بعد هذه الكلمة سقطت كلمة: اللذان؛ ليستقيم الكلام بها.]] ذكرهما الزجاج وأبو علي في القراءة الأولى، و (بَيْنَكُمْ) منصوب على الظرف، والعامل فيه المودة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 167، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428.]]. وقرأ حمزة (مَّوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا [[قرأ بها حمزة وعاصم في رواية حفص. "السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 429، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]، جعل (مَا) مع (إِن) كافة، ولم يجعلها بمعنى: الذي، ونصب (مَّوَدَّةَ) على أنه مفعول له، أي: اتخذتم الأوثان للمودة، ثم أضافها إلى (بَيْنِكُمْ) كما أضاف مَنْ رفع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.]]. وقرأ نافع وابن عامر: (مَّوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب [["السبعة في القراءات" 499، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 428، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 184.]]، وهذه القراءة كقراءة حمزة في المعنى؛ إلا إنه لم يُضف المودة إلى (بَيْنَكُمْ) فلمَّا لم يضف نوَّن، وانتصب (بَيْنَكُمْ) على الظرف [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 429.]]. قال المفسرون: يقول إنكم جعلتم الأوثان تتحابون على عبادتها، وتتواصلون عليها في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [["تفسير الثعلبي" 8/ 158 ب.]]. وقال مقاتل: بين الأتباع والقادة مودةٌ على عبادة الأصنام، ثم إذا كان ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرأ القادة من الأتباع ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ويلعن الأتباع القادة؛ لأنهم زينوا لهم الكفر ﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ ومصيركم جميعًا ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من مانعين من النار [["تفسير مقاتل" 72 ب.]].