الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قالوا جميعًا: ابتلينا [[أخرجه ابن جرير 20/ 129، عن مجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3032، عن الضحاك، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وعطاء. و"تفسير مقاتل" 70 ب. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 113. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 337، وقال في "تأويل مشكل القرآن" 472: اختبرنا.]]. قال ابن عباس: منهم إبراهيم خليل الرحمن -عليه السلام-، وقوم كانوا معه ومِنْ بعده نشروا بالمناشير على دين الله فلم يرجعوا عنه [[ورد هذا المعنى في حديث مرفوع أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم الحديث (3852)، "فتح الباري" 7/ 165. من حديث خباب بن الأرت -رضي الله عنه-، قال: أتيت النبي -ﷺ-، وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد وهو محمرٌ وجهُه فقال: "لقد == كان مَن قبلكم ليُمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرِق رأسه فيُشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه. ولَيُتمن الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله". زاد بيانٌ: "والذئبَ على غنمه". وقول ابن عباس ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428.]]. وقال غيره: يعني بني إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب [[ذكره الطبرسي "مجمع البيان" 7/ 428، ولم ينسبه.]]. قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ قال مقال: يقول: فليرين الله الذين صدقوا في إيمانهم من هذه الأمة عند البلاء، فيصبروا لقضاء الله ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ يقول: وليرين ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ [["تفسير مقاتل" 70 ب.]]، فتنوا عند البلاء والتمحيص؛ يعني: المنافقين. قال أبو إسحاق: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ صِدْق الصادق بوقوع صدقه منه، ووقوع كذب الكاذب منه، وهو الذي يجازَى عليه، والله -عز وجل- قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما؛ ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازَى عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 160.]]. يعني أن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ جاء بلفظ الاستقبال لحدوث المعلوم وهو الصدق والكذب، وإنما يعلم صدق الصادق كائنًا عند حدوثه، وكذلك كذب الكاذب، وقد بينا هذا بيانًا شافيًا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ في سورة البقرة [143] [[قال الواحدي في تفسيرِ هذه الآية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يَحدث له علم، واختلف أهل المعاني في وجه تأويله، فذهب == جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحُكم للعلم بعد الوجود؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب، والمتعبَّد بالشيء إذا لم يُطع وعصى علمه الله تعالى عاصيًا، وإذا أطاع علمه مطيعًا، وكان قبل أن أطاع لم يعلمه علمًا يستحق به الثواب؛ وإن كان في معلوم الباري أنه يطمِع فمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب.]]. واختار صاحب النظم في قوله: ﴿الم﴾ أن يكون قسمًا، وجعله واقعًا على قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ وجعل قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ كلامًا معترضًا بين القَسَم وبين ما هو واقع عليه؛ قال: ودل على هذا دخول النون الثقيلة في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ كما تقول: والله لأضربنَّ عمرًا. فإن قيل: لِمَ دخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ قيل: إنه لما يجيء بالجواب لقوله: ﴿الم﴾ حتى قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صار كأن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ معطوفًا عليه وجوابًا له فقد اشترك قوله: ﴿الم﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ للعطف على معنى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ وذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الآية، كان إنكارًا لحسبانهم أنهم لا يفتنون، وإذا كان إنكارًا ففيه دليل على أنه -عز وجل- أوجب أن يفتنهم؛ لأنه لا ينكر شيئًا إلا ويوجب ضده، ثم لما قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ دل بهذا القول على هذا المعنى من إيجاب الفتنة، فيكون تأويله: لنفتنهم كما فتنا الذين من قبلهم، ثم صار قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ معطوفًا على هذا التأويل. وقال في قوله: ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ ليس هذا من الصدق اللازم الذي تأويله: صَدَق في قوله، وهو من الصدق المتعدي الذي يقال عنه: صَدَقَنِي فلانٌ، أي: قال لي الصدق، وكَذَبَنِي؛ أي: قال لي الكذب. والمعنى ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الله ما وعدوه، أي: تَمّوا عليه ووفوا به ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ الذين كذبوا الله ما وعدوه. وقال في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: لا يعني بذكر الفتنة إلا من أضمر الإيمان والإسلام دون الكافر؛ لأن الفتنة تجريب، كما يفتن الذهب والفضة بالنار إذا أحميا ليظهر صفاؤهما وخبثهما، والكافر ظاهر خبثه، فلا حاجة إلى تجريبه بالفتنة. انتهى كلامه.