الباحث القرآني

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
ثم ضرب لهم مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ونفعها [["تفسير الثعلبي" 8/ 159 ب.]] ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ قال الليث: هي دويبة تنسج نسجًا رقيقًا مهلهلاً، بين الهواء، وعلى رأس البئر [[كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 3/ 309. وتعيش العناكب في أي مكان يتوفر فيه أغذاؤاها، ويمكن مشاهدتها في الحقول، والغابات، والمستنقعات، والكهوف، والصحاري، وهناك نوع من العناكب يمضي معظم حياته تحت الماء، ويعيش نوع آخر بالقرب من قمة جبل: إيفرست، أعلى جبل على الكرة الأرضية، وتعيش بعض العناكب داخل المنازل، ومخازن الحبوب، والحظائر وغيرها، ويوجد ما يقرب من ثلاثين ألف نوع من العناكب، وقد تصل إلى مائة ألف نوع، وحجم بعض العناكب أصغر من رأس الدبوس، وبعضها كبير بحيث يصل إلى حجم كف يد الإنسان، أو أكبر قليلاً، فسبحان الله العظيم. انظر مجلة: "القافلة" صفر 1419 هـ بقلم د/ أحمد محمد الصغير.]]. ويجمع: العناكب، قال ذو الرمة: هي اصطنعته وحدها أو تعاونت ... على نسجها بين الصفيح عناكبه [[كتاب "العين" 2/ 309 (عنكب) ونسب البيت لذي الرمة، ولفظه: هي اصطنعته نحوها وتعاونت ... على نسجها بين المثاب عناكبه.= ورواية الديوان 299: هي انتسجته وحدها أو تعاونت ... على نسجه بين المثاب عناكبه وفي شرح الديوان: المثاب: مقام الساقي حيث يضع رجليه. ولم أجد البيت في "تهذيب اللغة".]] وقال أيضًا يصف دلوًا عتيقة العهد بالاستقاء: فجاءتْ بنَسْج العنكبوت كأنه ... على عَصَوَيْها سَابريٌّ مُشَبْرَقُ [[ديوان ذي الرمة 178، وقال الخطيب التبريزي في شرحه: فجاءت: يعني الدلو، كأنه: كأن النسيج، على عصويها: يعني: العَرَاقي، مشبرق: مقطع مشقق. أ. هـ. يقال للخشبتين اللتين تعرضان على الدلو كالصليب: العَرْقُوتان؛ وهي العَراقي. "تهذيب اللغة" 1/ 227 (عرق). والسابري من الثياب: الرقاق، والبيت في "لسان العرب" 4/ 341، للدلالة على ذلك، ونسبه لذي الرمة.]] ويجوز في جمع العنكبوت: عناكيب وعنكبوتات، ويصغر: عُنَيْكبا، وعُنَيْكيبا [["تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب).]]، وأهل اليمن يقولون: عَنْكبوه بالهاء [["تهذيب اللغة" 3/ 309 (عنكب)، من كلام الليث. وفي كتاب "العين" 2/ 309: العنكبوت بلغة أهل اليمن: العنكبوه، والعنكباه، والجمع: العناكب.]]. قال اللحياني: ويقال للعنكبوت: عَكَنْبَاة، وأنشد: كأنما يسقطُ من لُغامها ... بيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمامِها [["لسان العرب" 1/ 632 (عنكب)، عن اللحياني، وفيه إنشاد البيت، دون نسبة. لُغام البعير: زَبَده، واللُّغام: زَبَد أفواه الإبل. "لسان العرب" 12/ 545 (لغم). والزِّمام: الحبل الذي تشد به الإبل؛ يقال: زممت البعير، أي: خطمته. "لسان العرب" 12/ 272 (زمم).]] قال الفراء: العنكبوت أنثى، وقد يذكرها بعض العرب، وأنشد: على هَطَّالهم منها بيوتٌ ... كأن العنكبوت هو ابتَنَاها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317، ولم ينسب البيت، وفي الحاشية: هطال: جبل، == ورواية البيت عند الفراء، والأزهري 3/ 309، و"لسان العرب" 1/ 632: منهم. وفي النسختين: منها. وعن الفراء ذكره الثعلبي 8/ 159 ب. ولم ينسبوه.]] قال الكلبي: بيت العنكبوت لا يغني عنها في حر ولا قُرَّ [[القُرُّ: البرد. "تهذيب اللغة" 8/ 276 (قرر). وفي "تنوير المقباس" 335: برد.]] ولا مطر، كما أن آلهتهم لا ترزقهم شيئًا، ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا [["تنوير المقباس" 335. وأخرج نحوه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة.]]. وقال أبو إسحاق: إن بيت العنكبوت لا بيتَ أضعفُ منه فيما يتخذه الهوام، ولا أقل وقاية من حر أو برد؛ والمعنى: أن أولياءهم لا ينفعونهم، ولا يرزقونهم، ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موقٍ لها [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169.]]. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتًا؛ ليس أنهم لا يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169، بمعناه.]].