الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ
قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن [[أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3065، عن الحسن.]] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يريد: وأتم الصلاة [[في نسخة (أ)، (ب): الصوم. وهو خطأ. وقول ابن عباس في "تنوير المقباس" 336.]]. ونحو ذلك قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ كان ابن مسعود يقول: إن نبي الله -ﷺ- كان يقول: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، ومن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" [[أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود، يرفعه. وهذا إسناد ضعيف منقطع؛ فالضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وجويبر ضعيف جدًا. وأخرجه ابن جرير 20/ 155، من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود يرفعه، بلفظ: "لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر".]]. وقال -ﷺ-: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا مقتًا" [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، بإسناده عن معمر عمن سمع الحسن يحدث عن النبي -ﷺ-، وهو بهذا حديث مرسل، وفيه جهالة من روى عن الحسن. ولفظه: بعدا. وأخرجه أيضًا بإسناده عن الثوري عن إسماعيل عن الحسن يرفعه. باللفظين: بعدًا، ومقتا. وأخرجه ابن جرير 20/ 155، موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه-. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3066، من طريق الحسن، عن عمران بن حصين يرفعه بلفظ: "من لم تنه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" وأخرج أيضًا من طريق أبي معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، يرفعه. == قال ابن كثير 3/ 415: والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم. وذهب إلى هذا الألباني؛ فقد قال بعد أن ساق روايات الحديث وطرقه: وجملة القول أن الحديث لا يصح إسناده إلى النبي -ﷺ-، وإنما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، وروي عن ابن عباس، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الإيمان، إلا موقوفاً على ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما. وقد نقد متن الحديث شيخ الإسلام رحمه الله لمخالفته لظاهر الآية؛ قال: هذا الحديث ليس بثابت عن النبي -ﷺ-، لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي وأقرب إلى الله منه وإن كان فاسقًا. ذكر هذا عن الشيخ الألباني، ونسبه لمخطوطة اطلع عليها في المكتبة الظاهرية، تحت عنوان: فقه حنبلي 3/ 12/ 1 - 3. وقد تكلم عن نقد متن هذا الحديث باستفاضة الألباني، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" 1/ 15، رقم الحديث (2).]]. وقال ابن عباس: يقول في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد إلا بعدًا [[أخرجه ابن جرير 20/ 155، وابن أبي حاتم 9/ 3066. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عباس، وابن مسعود.]]. وهذا قول الحسن وقتادة؛ قالا: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، هي وبال عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 169. وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 155، بنحوه.]]. ومعنى هذا التأويل: أن الله تعالى أخبر أن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله تعالى، وإذا لم تكن بتلك الصفة لم تكن صلاة، فإن تاب هذا المقيمُ الصلاةَ يومًا وترك معاصيه، تبين أن ذلك من نهي الصلاة، وأن صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلا بعد زمان؛ كما روي أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله -ﷺ- كان يصلي الخمس، ثم لا يدع شيئًا من الفواحش إلا رَكِبَه فوُصِف لرسول الله -ﷺ- حالُه؛ فقال: "إن صلاته تنهاه يومًا ما" فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله -ﷺ-: "ألم أقل لكم: إن صلاته تنهاه" [[ذكره الثعلبي 8/ 160 أ، بنصه، عن أنس بن مالك، يرفعه. قال عنه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 3/ 46: غريب. وأما ابن حجر فقال: لم أجده. "الكافي الشاف" 3/ 443، بحاشية الكشاف. لكن يشهد لمعنى هذا الحديث حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -ﷺ-، قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق! قال: "سينهاه ما تقول، أو قال: ستمنعه صلاته". أخرجه الإمام أحمد 15/ 483، رقم (9778)، ط: الرسالة، وقال محققو المسند: إسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن الجعد في "مسنده" (306)، رقم (2069)، بلفظ: ستنهاه قراءته. وأخرجه ابن حبان، "الإحسان" 6/ 300، رقم الحديث (2560). وصحح إسناده الألباني، "سلسله الأحاديث الضعيفة" 1/ 16، عند كلامه على الحديث رقم (2).]]. وروى السدي عن أصحابه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: الرجل يصلي الصلاة فيحسنها ثم يهم أن يعمل الخطيئة فيذكر صلاته، فيقول: لا أفسد صلاتي. وفي الآية قول ثانٍ؛ قال مقاتل: إن الإنسان ما دام يصلي لله فقد انتهى عن الفحشاء والمنكر، لا يعمل بهما ما دام يصلي حتى ينصرف [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]. وهو قول الكلبي وابن عون [["تفسير مقاتل" 73 ب.]]؛ قالا: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ما كان فيها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن الكلبي. و"تنوير المقباس" 336. وأخرجه ابن == جرير 20/ 155، عن ابن عون، وكذا ابن أبي حاتم 9/ 3066، وقد كتب اسمه تصحيفًا: أبو غوث!. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن ابن عون.]]؛ لأنه إن فعل شيئًا من هذين بطلت صلاته. واختار ابن قتيبة هذا القول؛ وقال: المصلي لا يكون في منكر ولا فاحشة ما دام فيها [["غريب القرآن" لابن قتيبة 338.]]. قال الكلبي: ﴿الْفَحْشَاءِ﴾ المعصية [["تنوير المقباس" 336. وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 3067، عن ابن عباس، وعكرمة والحسن.]]. وهو: ما قبح من العمل ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة [["تنوير المقباس" 336. الفحشاء من المنكر، فتكون الآية من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 136].]]. والقول هو الأول [[أي: أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ولو بعد حين.]]. وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ اختلفوا فيه على وجهين؛ روى عبد الله ابن ربيعة عن ابن عباس قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 98، وابن جرير 20/ 156، وابن أبي حاتم 9/ 3067، كلهم من طريق عبد الله بن ربيعة. وأخرجه كذلك الحاكم 2/ 444، كتاب التفسير، رقم (3538)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. - عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخرج له الترمذي، ولم أجد له ترجمة قال عنه ابن حجر: مجهول. "تهذيب الكمال" 14/ 489، و"تقريب التهذيب" 505.]]. وروى عطية عنه قال: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] قال: فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه [[أخرجه ابن جرير 20/ 156. وأخرجه الثعلبي 8/ 160 أ، مرفوعًا من طريق نافع، عن ابن عمر.]]. وهو: قول عبد الله، وسلمان، ومجاهد، ومقاتل؛ قال: يقول: إذا صليت لله فقد ذكرته، فيذكرك الله بخير، وذكرُ الله إياك أفضل من ذكرك إياه في الصلاة [[أخرجه ابن جرير 20/ 157، عن عبد الله بن مسعود، وسلمان، ومجاهد. "تفسير مقاتل" 74 أ. وذكره الثعلبي 8/ 160 أ، عن عبد الله وسلمان، ومجاهد، وعطية، وعكرمة، وسعيد بن جبير.]]. ونحو هذا قال السدي وسعيد بن جبير [[أخرجه ابن جرير 20/ 156، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأخرجه 20/ 158، عن السدي. وأخرجه الثعلبي 8/ 161 ب، عن السدي.]]. وعلى هذا الوجه معنى قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هو: أن الله لما أمر بإقام الصلاة، والصلاة لا تخلو من ذكر الله فكأنه أمر بذكره، فلما أمر بذكره أخبر أن ذكر الله العبد ما كان في صلاته أكبر من ذكر العبد؛ لأن العبد إذا ذكر الله، ذكره الله بالثواب؛ كقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهذا معنى قول الفراء والزجاج وابن قتيبة، في هذا الوجه الأول [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 170.]]. الوجه الثاثي في تفسير الآية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مما سواه، وهو أفضل من كل شيء. وهذا قول أبي الدرداء وقتادة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 97، عن قتادة، وأخرجه عنهما ابن جرير 20/ 157، وذكره عنهما الثعلبي 8/ 160 أ.]]. وروي معنى هذا الوجه عن النبي -ﷺ-، وهو ما روى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: "ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل" [[أخرجه الثعلبي 8/ 160 ب، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، == يرفعه. وهذا إسناد لا يصح؛ فيه ضعف وانقطاع، فجويبر ضعيف جدًا، "تقريب التهذيب" 205، رقم (994). والضحاك لم يلق ابن مسعود. "تهذيب التهذيب" 4/ 397.]]. والذكر: أن يذكره عندما حَرَّم، ويذكره عندما أحلَّ، فيأخذ ما أحل [["تفسير الثعلبي" 8/ 160 ب.]]. والمعنى على هذا الوجه أن الله تعالى أخبر أن ذكره على كل الأحوال أكبر وأفضل؛ وذلك أن العبد إذا كان ذاكرًا الله في كل حال، لم يجر عليه القلم بمعصية؛ لأنه إذا ذكر ارتدع عما يهم به من السوء. فأما من يذكره بلسانه وهو مع ذلك يرتكب محظورًا، وما لا يحل، فليس هو ذاكرًا الله على الحقيقة. وعلى هذا لا تعلق لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ بما قبله. وقال الفراء وابن قتيبة في هذا الوجه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ هو: التسبيح والتهليل، يقول: هو أكبر وأحرى وأحق بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 317. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 338.]]. فعلى الوجه الأول: المصدر الذي هو الذكر مضاف إلى الفاعل، وفي الوجه الثاني: مضاف إلى المفعول، وإن قال قائل في معنى الآية على الوجه الثاني: إن الله تعالى أمر نبيه -عليه السلام- بتلاوة القرآن وإقام الصلاة، ثم قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: تلاوة القرآن، أخبر أنه أكبر وأفضل من كل شيء، فالمراد بذكر الله في الآية: تلاوة القرآن [[ذكر هذا القول ابن جرير 20/ 154، فقال: قال بعضهم: عني بها القرآن الذي يقرأ في موضع الصلاة، أو في الصلاة. ثم أخرج بسنده عن ابن عمر، قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد. ولم يحكه عن غيره. وذكره عن ابن عمر، الثعلبي 8/ 160 أ، ولفظه: القرآن ينهى عن الفحشاء والمنكر.]]. ويجوز أن يكون المعنى: وذكر الله الذي هو تلاوة القرآن، أكبر من الصلاة، فهو أحرى أن ينهى عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا يخفى عليه شيء.