الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الحياة في هذه الدار ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب (¬7). ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ لهي دار الحياة لا موت فيها [["تفسير مقاتل" 75 ب. و"تفسير ابن جرير" 21/ 12، و"تفسير الثعلبي" 8/ 163 أ. وأخرجه ابن جرير 21/ 12، عن مجاهد، وأخرجه عن ابن عباس، بلفظ: باقية. قال الأزهري: معناه: أن من صار إلى الآخرة لم يمت، ودام حيًا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. "تهذيب اللغة" 5/ 287 (حي).]]. وقال الكلبي: هي حياة لا يموت فيها أهلها [["تنوير المقباس" 338.]]. وقال قتادة والسدي: لهىِ الحياة [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 99، عن قتادة.]]. وقال الفراء: لهي الحياة حياة لا موت فيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 318.]]. وقال الزجاج: معناه: هي دار الحياة الدائمة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 173.]]. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: ﴿الْحَيَوَانُ﴾ الحياة [["مجاز القرآن" 2/ 117. و"غريب القرآن" 339.]]. فالمفسرون وأصحاب المعاني على أن الحيوان هاهنا بمعنى: الحياة. قال أبو علي: قال أبو عبيدة: الحياة والحيوان والحي واحد، فهذه على ما حكاه أبو عبيدة مصادر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 117. بمعناه. وهو في "كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 321، غير منسوب.]]. والحياة كالحَلْية والحَدَمَة؛ وهي شدة التهاب النار [["تهذيب اللغة" 4/ 433 (حدم). يعني أن أصلها: حَيْوَة على وزن: حَلْيَة، أو: حَيَوَة على وزن: حَدَمَة. والله أعلم.]]. والحيوان: كالفوران [[هكذا في النسختين؛ يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفَورانًا، إذا غَلت. "تهذيب اللغة" 15/ 247 (فار).]] والغليان. والحِيّ كالعِيِّ [[العِيَّ: مصدر العَي، يقال: عيى فلان بالأمر إذا عجز عند "تهذيب اللغة" 3/ 258 (عيى).]]؛ قالوا: حَيِي يحيى حياءً [["تهذيب اللغة" 5/ 283 (حيى).]]، كما قالوا: عَييِ يَعْيا عياء [["تهذيب اللغة" 3/ 257 (عيى).]]، ومن ذلك قول العجاج: كنا بها إذِ الحَياة حِيُّ [[هكذا أنشده أبو علي، "كتاب الشعر" 1/ 321، وصدره بقوله: قال رؤبة أو العجاج. وأنشده أبو عبيدة 2/ 117، بلفظ: وقد نَرَى إذ الحياةُ حِيٌ ونسبه للعجاج. وهو كذلك في "ديوانه" 249. وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 285 (حي) غير منسوب، واستشهد به على أن الحِي بكسر الحاء جمع الحياة.]] فهذا [[في كتاب أبي علي: كأنه قال: إذِ الحياة حياةٌ، أي: الحياة غيرُ متكدرة ولا منغَّصة. "كتاب الشعر" 1/ 321.]] إذا الحياةُ حياةٌ. وقال أبو زيد: الحيوان ما فيه روح [[ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 287، ولم ينسبه.]]. والمَوَتَان: ما لا روح فيه [[لم أجده في "النوادر"؛ وفي "تهذيب اللغة" 14/ 343 (موت): الموتان: كل شيء غير ذي روح، وما كان ذا روح فهو الحيوان. ولم ينسبه لأبي زيد.]]. والحيوان في روايتي أبي زيد وأبي عبيدة على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه أبو عبيدة. والآخر: أن يكون وصفًا كما حكاه أبو زيد. والحيوان على قول أبي زيد مثل الحَيّ الذي يراد به خلاف الميت، وقد جاء الصفة على هذا المثال نحو قولهم: رجلٌ صَمَيَانٌ للسريع الخفيف [["تهذيب اللغة" 12/ 260 (صمى).]]، والزَّفَيَان [[لزَّفَيَان: الخفة. "لسان العرب" 14/ 357 (زفى).]]، قال: وتحتَ رَحلي زَفَيَانٌ مَيْلَعُ [[أنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 265 (زفى) ولم ينسبه. والملْع: سرعة سير الناقة، وناقة مَيْلَع: سريعة. "تهذيب اللغة" 2/ 426 (ملع). وهو في "لسان العرب" 14/ 357، مع بيتين قبله غير منسوب، وفيه: ناقة زَفيان: سريعة.]] فهذا أظهر من أن يقال له وصف بالمصدر، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها، أي: فتلك الحياة هي الحياة لا التي يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون الحيوان مصدر على هذا. ويجوز أن يكون الحيوان الذي هو خلاف المَوَتان، وقيل للدار الآخرة: الحيوان؛ لأنها لا تزول ولا تبيد كما تبيد هذه الدار وتزول، فتكون الدار وصفت بالحياة لهذا المعنى، والمراد أهلها. ويجوز أن يكون التقدير في قوله: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ هي ذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأنه لم يعتد بحياة هذه الدار حياة. فأما القول في حروف الحيوان: أن العين واللام مِثْلان في أصل الكلمة، وأبدلت من الثانية الواو لَمَّا لم يسع الإدغام في هذا المثال، ألا ترى أن مثل: شَلَل وطَلَل [[الشلل: ذهاب اليد، يقال: شَلَّت يده تَشلَّ، فهو أشلُّ. "تهذيب اللغة" 11/ 276 (شلل). الطَلَل: ما شخص من الديار، يقال: حيَّا الله طَلَلك وأطلالك: أي: ما == شخص من جسدك. "تهذيب اللغة" 13/ 295 (طلل).]] يصح ولا يدغم؛ فكذلك الحيوان لَمَّا لم يجز الإدغام تُوصل فيه إلى إزالة المثلين بالبدل، ووجب ذلك في الثاني منهما، وهو الكثير العام في كلامهم؛ لأن التكرير وقع بها، هذا مذهب الخليل وسيبويه وأصحابهما [[أصل الحيوان: حَييَان، فقلبت الياء التي هي لام الفعل واوًا استكراهًا لتوالي الحركات؛ هذا مذهب الخليل وسيبويه. "لسان العرب" 14/ 214 (حيا). وقول سيبويه في "الكتاب" 4/ 399.]]؛ إلا أبا عثمان فإنه ذهب في أن الحيوان غير مُبْدَل الواو؛ وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فِعْل، وشَبَّه هذا بقولهم: فَاظَ الميتُ يَفِيظُ فَيْظًا وفَوْظًا [[فاظ الميت، وفاظت نفسه: إذا خرجت. "تهذيب اللغة" 14/ 396 (فاظ).]]، ولا يستعملون من فَوْظٍ فِعْلاً، فكذلك الحيوان عنده مصدر لم يُشتقَّ منه فِعل، بمنزلة فَوْظٍ؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: فاظ يفوظ كما قالوا: فاظ يفيظ. قال أبو علي: الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قِبَل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه: واو، وفاؤه: لام صحيحان؛ مثل: فَوْظٍ، وصَوْغٍ [[الصَّوغُ: مصدر صاغ يصوغ، والصَّياغة: الحرفة. "تهذيب اللغة" 8/ 158 (صاغ).]]، وقَوْلٍ، ومَوْتٍ، وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في الكلام كلمة عينها: ياء، ولامها: واو فلا، فحمله الحيوان على فَوْظٍ خطأٌ؛ لأنه شَبَّه ما لا يوجدُ في الكلام بما هو موجود مطرد؛ وبهذا علمنا أن حَيْوةَ في مثل: رَجاء بن حَيْوة؛ أصله: حَيَّة وأن اللام إنما قلبت واوًا لضربٍ من التَوسُّع، وكراهةً لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَم؛ والأعلام يَعْرِضُ فيها ما لا يعرض في غيرها؛ نحو: مَوْهَب ومَوْرَق، ومَوْظَب [["سر صناعة الإعراب" 1/ 153، بتصرف، وهو في "لسان العرب" 14/ 214 (حيا). وضبطت كلمة: مَوْرَق، هكذا في سر صناعة الإعراب، وهو اسم علم؛ منه: == مُورق بتشديد الراء، ابن مُشَمْرِج، بضم أوله، ابن عبد الله العجلي، ترجم له الحافظ ابن حجر. "تقريب التهذيب" 977، رقم (6989). ومَوْرَق بفتح الميم وضمها اسم موضع بفارس. "معجم البلدان" 5/ 256، ثم قال ياقوت الحموي: ومَوْهَب ومَوْظَب اسمان لرجلين.]]. قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني لو علموا لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ولكنهم لا يعلمون.