الباحث القرآني

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ قال الأخفش: هو على: ووصيناه بحسن، وقد تقول العرب: وصيته خيرًا، أي: وصيته بخير [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 655.]]. وقال غيره: هو بمعنى: ألزمناه حسنًا، أو وصيناه أن يفعل حسنًا [[قال ابن جرير 20/ 131: وقال بعض نحوي الكوفة: معنى ذلك: ووصينا الإنسان أن يفعل حسنًا، ولكن العرب تسقط من الكلام بعضه إذا كان فيما بقي دلالة على ما سقط. وذكر هذا القول الثعلبي 8/ 156 أ، ونسبه لأهل الكوفة.]]. قال أبو إسحاق: معناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 161.]]. قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك، لما هاجر قالت أمه: والله لا يظلني ظل بيت حمَى ترجع إلى ما كنت عليه، فحثَّ الله سعدًا على البر بأمه، ونهاه أن يطيعها في الشرك؛ وهو قوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [[أخرج سبب نزول هذه الآية مسلم في "صحيحه" 4/ 1877، كتاب: فضائل الصحابة، رقم (1748) بعد حديث رقم (2412). وأخرجه كذلك أبو يعلى == الموصلي، في مسنده 2/ 116، رقم (782). وروى بعضه البخاري، في "الأدب المفرد"، باب: بر الوالد المشرك، رقم (24)، "صحيح الأدب المفرد" (40). وأخرجه ابن جرير 20/ 131، عن قتادة. وابن أبي حاتم 9/ 3036، عن قتادة، ومصعب بن سعيد. وذكره مقاتل 71 أ. والثعلبي 8/ 156 أ. وأخرجه الواحدي بإسناده في "الوسيط" 3/ 414، وكذا في أسباب النزول 340، لكن صدَّره في "أسباب النزول" بقوله: قال المفسرون: نزلت في سعد بن أبي وقاص .. فلعله يريد بذلك: الاتفاق على نزولها في سعد -رضي الله عنه-، والله أعلم.]] أي: لتشرك بي شريكًا لا تعلمه لي ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لأمه، والقصة في ذلك مشهورة [[ذكر الواحدي هذه القصة في كتابه "أسباب النزول" 169، عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] ولم أجدها في تفسيره البسيط؛ حيث أفاد محقق سورة النساء أن تفسير هذه الآية من القسم المفقود من الكتاب، "البسيط". وذكر هذه القصة الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف"، في سورة النساء 1/ 339، وفي سورة العنكبوت 3/ 41، وملخص هذه القصة: أن عياش هاجر مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، مترافقين، حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام أخواه لأمه .. فنزلا بعياش فقالا له: إن من دين محمد صلة الأرحام، وبر الوالدين، وقد تركت أمك لا تطعم، ولا تأوي بيتًا حتى تراك وهي أشد حبًا لك منا، فاخرج معنا فاستشار عمر، فقال: هما يخدعانك ولك عليَّ أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد خلأت فاحملني معك، قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله فأخذاه وشدا وثاقه، ونزلا فجلداه كل واحد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه، قالت له: لا تزال في عذاب حتى ترجع عن دين محمد ففتناه فافتتن. قال الزيلعي: رواه البزار في مسنده، ثم ساق سنده، ثم قال: وكذلك رواه ابن هشام في السيرة، عن ابن إسحاق بسنده المذكور ومتنه سواء، ونقله الثعلبي بلفظ المصنف عن مقاتل. وقد ألمح ابن حجر إلى نقد هذه == الرواية فقال: أخرجه الثعلبي بغير سند، والواحدي عن ابن الكلبي، ورواه الطبري من طريق أسباط عن السدي بتغيير يسير. الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 1/ 538. ومعنى: خلأت: بركت فلم تقم. "تهذيب اللغة" 7/ 577 (خلأ).]]. ثم أوعد بالمصير إليه فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها لأجازيكم عليها؛ لأن فائدة الإخبار هنا: المجازاة عليها. والمعنى: أن طاعة الله في البر بالأم عمل صالح، [وطاعة الأم بالشرك بالله عن شيء يجازي الله عليها من عمل بأجرها] [[ما بين المعقوفين هكذا كتب في النسختين؛ ولعل الصواب -والله أعلم-: وطاعة الأم بالشرك بالله عمل سيئ يجازي الله عليها من عمل بها.]].