الباحث القرآني

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ
قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال عبد الله: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة، وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًا، وهي ميتة [[أخرجه ابن جرير 21/ 30، وأخرج نحوه أيضًا عن ابن عباس. وأخرج عن الحسن قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. ومثل ذلك: الطير من البيضة، والنخل من النواة. والآية عامة تشمل جميع ما ذكر؛ وإن كان الأقرب لسياق الآية أن المراد بها ضرب الأمثلة الحسية من المخلوقات على وحدانية الله -عز وجل-، وعلى البعث بعد الموت، ويدل لذلك قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. والله أعلم.]]. ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 77 ب. واقتصر عليه الزجاج 4/ 181، ولم ينسبه.]]. وهذه الآية مما قد تقدم القول فيها [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: 27]: أكثر المفسرين على أن معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من الحيوان. وقال الكلبي: تخرج الفرخ من البيضة، == وتخرج البيضة من الطير؛ وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات. وقال ابن عباس في رواية عطاء والحسن: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن حي الفؤاد، والكافر ميت الفؤاد، دليله قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]. "البسيط" 1/ 313، (تح/ الحمادي).]]. قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يجعلها تنبت وذلك حياتها [["تفسير مقاتل" 77 ب. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 181.]]. ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ قال مقاتل: وهكذا تخرجون يا بني آدم من الأرض يوم القيامة بالماء كما يخرج العُشب من الأرض بالماء؛ وذلك أن الله تعالى يرسل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة على الأرض بين النفختين كمني الرجال فتنبت عظام الخلق ولحومهم وجلودهم في قبورهم نبات العُشب [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]، كما ينبتون في بطون أمهاتهم [[هذا جزء من حديث طويل موقوف على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أخرجه الحاكم من طريق سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء قال: كنا عند عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فذُكر عنده الدجال، فقال عبد الله بن مسعود: تفترقون أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح وفرقة تأخذ شط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه .. إلى أن قال: ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون .. قال: فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي: ما احتجا بأبي الزعراء. "المستدرك على الصحيحين" 4/ 641، كتاب: الأهوال، رقم (8772). وهذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الشفاعة الذي يرويه أبو الزعراء عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وفيه أن النبي -ﷺ- رابع شفيع يقوم يوم القيامة، واسم أبي == الزعراء: عبد الله بن هانئ؛ قال عنه البخاري: عبد الله بن هانئ، أبو الزعراء الكوفي .. روى عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، في الشفاعة: ثم يقوم نبيكم رابعهم، والمعروف عن النبي -ﷺ-: أنا أول شافع، ولا يتابَع على حديثه. "التاريخ الكبير" 5/ 221، رقم (720). وقال ابن عدي: يروي سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود إنْ كان قد سمع من عبد الله بن مسعود. "الكامل في ضعفاء الرجال" 4/ 1549. وقد وقعت تسمية أبي الزعراء في تحقيق الألباني لأحاديث "شرح العقيدة الطحاوية" ص 410، بـ: الوليد بن يحيى، ولا أدري كيف وقع ذلك، فلعله لم يقف على كلام البخاري، ولا ابن عدي، حيث أحال على الهيثمي وحده في "مجمع الزوائد" 10/ 330، والهيثمي ذكره هناك بكنيته، ونقد الهيثمي هذه الرواية لمخالفتها للحديث الصحيح: أنا أول شافع، ونسب هذا النقد الألباني للَّهيثمي، مما يدل على أنه لم يطلع على كلام البخاري في هذا الموضع. والله تعالى أعلم. وكون السماء تمطر مطرًا ينبت منه أجساد العباد ثابت من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- في حديثٍ مرفوع؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" 4/ 2259، كتاب. الفتن وأشراط الساعة، رقم (2940)، والشاهد فيه قول النبي -ﷺ-: "ثم يرسل الله أو قال ينزل الله مطرا كأنه الطَّلُ أو الظَّلُ [نعمانُ الشاكُّ] فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون".]]. وهذا قول الكلبي والسدي [["تنوير المقباس" ص 339.]]. وقال أبو إسحاق: كذلك يخرجون من قبورهم مبعوثين، ومعنى الكاف نصب لقوله: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ والمعنى: أن بعثكم عليه -عز وجل- كخلقكم، أي: هما في قدرته متساويان [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 181.]]. يعني: أن ذكر ابتداء الخلق بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يعني: الإنسان من النطفة، ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. وقرأ حمزة والكسائي (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء [[قرأ حمزة والكسائي: ﴿تَخْرُجُونَ﴾ بفتح التاء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضم التاء. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 445، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 195.]]؛ وحجة هذه القراءة قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 445.]] أضاف الخروج إليهم.