الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: يعني خلق بني آدم بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: يبعثهم في الآخرة أحياء بعد موتهم كما كانوا، قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. واختلفوا في هذا؛ فذهب كثير من أهل التفسير والمعاني أن ﴿أَهْوَنُ﴾ هاهنا بمعنى: هين، يقول: وهو هين عليه. وهذا قول الحسن، والربيع، وقتادة، والكلبي؛ قالوا: هو هين عليه، أول خلقه وآخره، وما شيء عليه بعزيز [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، وقتادة، والربيع بن خُثيم. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن الربيع بن خثيم، والحسن، وقال: وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وذكره السيوطي عن الحسن، وعزاه لابن المنذر، "الدر المنثور" 6/ 491. و"تنوير المقباس" ص 340.]]. وهذا مذهب أبي عبيدة، وذكره المبرد والزجاج [["مجاز القرآن" 2/ 121، و"الكامل" 2/ 876. و"المقتضب" 3/ 246، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]؛ وقالوا: يجيء أفعل بمعنى الفاعل، وأنشد [[هكذا في النسختين؛ ولعل الصواب: وأنشدوا.]] لمعن بن أوس [[معن بن أوس بن نصر بن زياد المزنين شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في أواخر أيامه. مات في المدينة. "خزانة الأدب" 7/ 261، "الأعلام" 7/ 273. وذكره ابن حجر في القسم الثالث؛ المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي -ﷺ-. "الإصابة في معرفة الصحابة" 6/ 179.]]: لعمرك ما أدري وإني لأَوجلُ يعني لوجل [["مجاز القرآن" 2/ 121، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه، وعجزه: == على أيِّنا تعدو المنية أول وهو في "ديوان معن بن أوس" ص 36، وأنشده المبرد، "الكامل" 2/ 876، و"المقتضب" 3/ 246، وابن جرير 21/ 37، ونسباه لمعن بن أوس. وأنشده ولم ينسبه الزجاج 4/ 183.]]. وقال الفرزدق: بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ [["ديوان الفرزدق" 2/ 155، وصدره: إن الذي سمك السماء بنى لنا وأنشده ونسبه أبو عبيدة 2/ 121، والمبرد، في "الكامل" 2/ 877، وابن جرير 21/ 37.]] وأنشد المبرد: قُبَّحتُم يا آل زيدٍ نفرًا ... إلام قومٍ أصغرَا وأكبرَا [["الكامل" 2/ 877، و"المقتضب" 3/ 247، ولم ينسبه، وقال بعده: يريد: صغارًا وكبارًا. وفي "حاشية المقتضب": لم يعرف قائل البيت. وهو في "خزانة الأدب" 8/ 246، غير منسوب.]] ومثله قولهم: الله أكبر؛ أي: الكبير، ورجل أوحد الناس؛ أي: أحد الناس [["مجاز القرآن"، لأبي عبيدة 2/ 121. ولم ينشد البيت. والزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 29.]]. قال قتادة: وفي حرف ابن مسعود: ﴿وهو عليه هَيِّن﴾ [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102. لم أجدها عند ابن خالويه.]]. وهذا معنى رواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد: هان الأول والآخر عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، من طريق محمد بن سعد بسنده عن ابن عباس، ولفظه: كل شيء عليه هين.]]. القول الثاني في هذه الآية ما ذهب إليه عكرمة ومجاهد: الإنشاء أهون عليه من الابتداء، والإعادة أهون عليه من البدأ. وهو معنى رواية الوالبي عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير 21/ 36، عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة، وأخرجه عن مجاهد، وعكرمة. وذكره الثعلبي 8/ 168 أ، عن مجاهد وعكرمة، وقال: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.]]. وهذا ليس على ظاهره؛ لأنه لا يجوز أن يكون شيء على الله أهون من شيء [[أخرجه بسنده الفراء، عن مجاهد، ثم قال: ولا أشتهي ذلك، والقول فيه: أنه مثل ضربه الله فقال: أتكفرون بالبعث، فابتداء خلقكم من لا شيء أشد. "معاني القرآن" 2/ 324.]]؟ ووجهه ما ذكره مقاتل، والمبرد، والفراء، والزجاج؛ قال مقاتل: يقول: البعث أيسر عليه عندكم يا معشر الكفار من الخلق الأول [["تفسير مقاتل" 78 ب.]]. وقال المبرد: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ عندكم؛ لأنكم قد أقررتم بأنه بدأ الخلق، وإعادة الشيء عند المخلوقين أهون من ابتدائه [["المقتضب" 3/ 245، بلفظ: "تأويله: وهو عليه هين؛ لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء".]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324.]]. واختار أبو إسحاق هذا الوجه؛ وقال: إن الله خاطب العباد بما يعقلون فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء والإنشاء [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.]]. وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أن الكناية في ﴿عَلَيْهِ﴾ تعود إلى الخلق، والمعنى: أن الإعادة أهون على الخَلْقِ من الابتداء [[ذكر هذا القول ابن جرير 21/ 36، والزجاج 4/ 183، ولم ينسباه.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح والسدي؛ قال ابن عباس: وهو أهون على المخلوق؛ لأنه يقول له يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: 73، النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68]، وأول خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة [[أخرجه بسنده الفراء من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. "معاني القرآن" 2/ 324. وذكره ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 382، عن ابن عباس، من طريق أبي صالح. وذكره كذلك الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وقال السدي: ليس يشتد على الله شيء، ولكن يعني به: المخلوق، يصاح به فيقوم سويًا؛ أهون عليه من أن يكون كما خلقه أولًا؛ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ثم يعود رضيعًا ثم فطيمًا. وقال عطاء: هو أهون على المخلوق أن يُبعث سميعًا بصيرًا، يَفهم ويفقه ويعقل، ليس مثل المولود لا يعقل حتى يكبر. قال أبو إسحاق: ومعنى هذا القول أن البعث أهون على الإنسان من إنشائه؛ لأنه يقاسي في النشأة ما لا يقاسيه في الإعادة والبعث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. وقد اعترض على هذا القول أبو عبيدة، فقال بعد أن ذكر أن المراد في الآية: وهو هين عليه، قال: فإن احتج محتج فقال: إن الله لا يوصف بهذا، وإنما يوصف به المخلوق، فالحجة عليه قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19] وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]. "مجاز القرآن" 2/ 121. ولم يرجح الواحدي شيئًا من هذه الأقوال، والذي يظهر من سياق الآيات أن المراد إثبات البعث والرد على المنكرين له، المستبعدين وقوعه، بعد موتهم وفنائهم، فأعلمهم الله -عز وجل- أن إقرارهم بالخلق الأول يستلزم الإيمان بإعادتهم، إذ هي أهون وأيسر، ويدل على ذلك تقدم الآيات في إثبات الربوبية، والتي منها == قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: أي ليس كمثله شيء [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره عنه الثعلبي 8/ 168 أ.]]. وقال قتادة: مثله الأعلى أنه: لا إله إلا هو في السموات والأرض [[أخرجه ابن جرير 21/ 38، عن قتادة. و"تفسير مقاتل" 78 ب. بمعناه. واقتصر على هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 382، ولم ينسبه.]]. وعلى هذا يكون المثل بمعنى الصفة؛ يعني: وله الصفة العليا وهي أنه: لا إله غيره. وذكرنا قول من أجاز أن يكون المثَل بمعنى: الصفة، عند قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ في سورة الرعد [: 35] [[أطال الواحدي الكلام في تفسير هذه الآية عن وجه ارتفاع: ﴿مَثَلُ﴾ فذكر قول سيبويه والمبرد أنه مرفوع على الابتداء بتقدير: فيما نقص عليكم مثل الجنة، واختار هذا القول الأنباري وأبو علي، ثم قال: وقال قوم: المثل هاهنا: بمعنى الصفة؛ قالوا: ومعناها: صفة الجنة التي وعد المتقون، ونسبه لعمرو بن العلاء، ثم ذكر نقد المبرد وأبي علي لهذا القول، ولم يرجح الواحدي في هذه المسألة. وممن يمنع تفسيره بالصفة سيبويه، "الكتاب" 1/ 143.]] وقال قوم: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يعني: ما ضرب من المثل في الإعادة أهون على المخلوق من الابتداء؛ لأن من قدر على ابتداء شيء كان أحرى أن يقدر على إعادته. وهذا اختيار الفراء والزجاج؛ قال الزجاج: أعلمهم أن يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، وجعله مثلًا لهم، ثم قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قد ضربه لكم مثلًا فيما يصعب ويسهل [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 183. و"معاني القرآن" للفراء 2/ 324، بنحوه.]]. وقال غيره من أهل المعاني مصححًا لهذه الطريقة: معنى قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: ما يمثل به في دليلاً صفته الذي هو طريق إلى معرفته من أن إنسانًا إذا نسخ كتابًا فإعادة نسخه عليه أهون، وكذلك إذا صاغ حُليًا، هذا في مقدور العباد مع نقصانهم، فمقدور من لا يلحقه النقص من وجهٍ أولى أن يسع الإعادة. وعلى هذا المثل الأعلى هو: المثل الذي ضربه الله لتحقيق بيان قدرته على الإعادة، ووصف هذا المثل بأنه: ﴿الْأَعْلَى﴾؛ لأنه مؤدٍّ إلى معرفةِ قدرة الله وصفتِه. قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.