الباحث القرآني

جديد: التفسير التفاعليالقارئكلمة
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
قوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ذكرنا تفسير البضع عند قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية الخلاف في البضع، والأقوال التي ذكرها: 1 - البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه؛ أي: من واحد إلى أربعة. قاله أبو عبيدة. 2 - قال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وصححه الزجاج. 3 - البضع ما بين العقدين، وهو قول الأخفش. ثم قال الواحدي: وعامة المفسرين على أن المراد بالبضع هاهنا: سبع.]]. أخبر الله تعالى: أن الروم بعد ما غُلبوا سيغلبون، ويصيرون غالبين لفارس؛ روى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ناحب أبو بكر قريشًا ثم أتى النبي -ﷺ- وقال: إني ناحبتهم، فقال له النبي -ﷺ-: "فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس. ومن الطريق نفسه أخرجه الترمذي 5/ 320، كتاب التفسير، == رقم (3191). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس". وهو حديث مرسل؛ فعبيد الله بن عبد الله قد أرسل عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس. "تهذيب التهذيب" 7/ 22. والحديث في "ضعيف سنن الترمذي" 402، رقم (624). وقد ورد في النسختين هكذا: عبد الله بن عبد الله، والصواب: عبيد الله بن عبد الله، كما هي رواية الترمذي، وابن جرير.]]. والمناحبة: المراهنة، وذلك قبل تحريمه [["تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب والنَّحب، تطلق على معانٍ، منها: النذر، والقمار، وغيره. "تهذيب اللغة" 5/ 117 (نحب).]]. وقال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية جرى بين أبي بكر رضي الله عنه وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حين وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص [[القَلُوص: الفتية من النوق، بمنزلة الفتاة من النساء. وتطلق أيضًا على: كل أنثى من الإبل من حين تركب، وإن كانت بنت لبون أو حِقة. "تهذيب اللغة" 8/ 368 (قلص).]] إلى أجل ثلاث سنين، فأتى أبو بكر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ-: "ارجع فاستزده في القلائص، وفي السنين"؛ فصيروا الرهبان سبع قلائص إلى سبع سنين [[أخرج نحوه ابن جرير 21/ 16، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه أيضًا عن عكرمة، وقتادة، مع اختلاف في عدد السنين، وعدد القلائص، وكذا في "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]]. وقال الشعبي: بلغنا أن المسلمين والمشركين تخاطروا [[الخَطَر، والسَّبَق، والنَّدَب، واحد، وهو كله: الذي يوضع في النَّضال، والبرهان، فمن سبق أخذه. "تهذيب اللغة" 7/ 224 (خطر).]] بينهم لما نزلت هذه، وذلك قبل تحريم القمار، وضربوا بينهم أجلاً، فقال النبي -ﷺ-: "لو ضربتم أجلاً آخر فإن البضع يكون ما بين الثلاث إلى تسع" فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار، قال: فالتقى الروم وفارس، فغلبهم الروم، فجاء جبريل بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر [[أخرجه عنه ابن جرير 21/ 19، مختصرًا.]]. وقال: سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما غلبت فارس الروم وفرح المشركون بذلك، ذكروا ذلك لأبي بكر؟ فذكره أبو بكر لرسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: "أما إنهم سيغلبون فارس" فذكر أبو بكر لهم: إن الروم سيغلبون ثم عقدوا عقد الرهان على ما ذكرنا [[أخرجه ابن جرير 21/ 16، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم 2/ 445، كتاب التفسير، رقم (3540)، من طريق سعيد أيضًا، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من طريق سعيد أيضًا الترمذي 5/ 320، كتاب: التفسير، رقم (3193)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وهو في "صحيح سنن الترمذي" 3/ 87، رقم (2551).]]. قال أبو إسحاق: وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله -عز وجل-؛ لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 175.]]. وقال جماعة من المفسرين: صاحب القمار من جهة المشركين كان أبيِّ بن خلف، وكان الخَطَر بينهم: مائة من الإبل [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عكرمة، وقتادة "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]]. وقوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أجمع المفسرون: أن الروم غلبت فارس بعد ما أخبر الله بهذه الآية أنهم سيغلبون في السنة السابعة [["تفسير مقاتل" 77 أ. وليس فيه ذكر السنة، بل ذكر فيه أن ذلك وقع في سنة الحديبية، وقد وقع صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة. "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 321، والفصول في سيرة الرسول -ﷺ-، 184. وذكر سبع == سنين نيار بن مُكرَّم، أخرجه عنه الترمذي 5/ 321، بسند حسن، قاله الألباني، صحيح سنن الترمذي 3/ 88. وذكره السيوطي عن ابن شهاب، وقتادة، "الدر المنثور" 6/ 481، وأخرج ابن جرير 21/ 20، عن ابن مسعود، أنها تسع. فحكاية الإجماع هنا غريبة؛ إذ قد اختلفت أقوال المفسرين في زمن وقوع ظهور الروم على فارس؛ فقيل: يوم بدر، وقيل في صلح الحديبية، وقيل بعد سبع سنين من الأجل، وقيل بعد تسع سنين، والثعلبي لما ذكر القول بأن المدة: سبع سنين، قال بعده: هكذا قول أكثر المفسرين. "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب. فحكاية الإجماع هنا غير مستقيمة. والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ حين غلبت الروم فارس. وهذا قول الجميع؛ قالوا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ أن تغلب ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ ما غلبت [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، بنحوه عن ابن جريج. و"تفسير مقاتل" 77 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176.]]. والمعنى: أن غلبة أحدهما الآخر، أيهما كان الغالب والمغلوب فإن ذلك بأمر الله وإرادته وقضائه وقدره، فحين غلبت فارس الروم كان الأمر لله، وحين تغلب الروم فارس يكون الأمر لله. وذكرنا الكلام في وجه ارتفاع ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ في أوائل سورة البقرة [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] ﴿قَبْلُ﴾ يبنى على الضم في هذا الموضع؛ لأنها تضمنت معنيين؛ أحدهما معناها في ذاتها وهو السبق، والآخر معنى ما بعدها؛ لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت أثقل الحركات وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ تأويله من قبل كل شيء وبعده، وهذا مذهب الفراء والمبرد، واختيار ابن الأنباري. وقد ذكر إعرابهما سيبويه، "الكتاب" 3/ 286، والمبرد، "المقتضب" 3/ 174، 175، والأخفش، "معاني القرآن" 2/ 658.]]. وذكر الفراء والزجاج هاهنا كلامًا طويلاً -ﷺ- في إعراب ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ ووجوه استعمالهما مركبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 319 - 322. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176، 177.]].