الباحث القرآني

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
قال مقاتل: ثم قال للنبي -ﷺ-: إن لم يوحدْ كفارُ مكة ربَّهم فوحدْ أنت ربَّك، وهو قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ فالمعنى: فأخلص دينك [["تفسير مقاتل" 79 أ.]]. ونحوه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: سدد عملك [[ذكره الماوردي عن الكلبي. "النكت والعيون" 4/ 311.]]. والوجه في اللغة: ما يُتوجه إليه، وعملُ الإنسان ودينُه مما يَتوجه إليه الإنسانُ لتسديده وإقامته. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 112] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: معنى قوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: بذل وجهه له في السجود، وعلى هذا أسلم بمعنى: سلم .. قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا هو المخلص لله العبادة .. وقال قوم من أهل المعاني: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أسلم نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعمل الوجه وهم يريدون نفس الشيء إلا أنهم يذكرونه باللفظ الأشرف كما قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] وقال جماعة: الوجه قد يقع صلة في الكلام؛ فقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: انقاد هو لله. ومثله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 20].]]. قوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ معناه على التقديم والتأخير، أي: حنيفًا للدين، أي: مائلاً إلى الطاعة، مستقيمًا عليها لا ترجع عنها. قال أبو إسحاق: والحنيف الذي يميل إلى الشيء فلا يرجع عنه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184، وفيه: كالحَنَف في الرِجل، وهو ميلها إلى خارجها خِلقة، لا يملك الأحنف أن يَرد حَنفه.]]. قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قال عكرمة ومجاهد: الإسلام. وهو قول الحسن [[أخرجه ابن جرير 21/ 40، عن مجاهد من طريق الحسن، وأخرجه كذلك عن عكرمة 21/ 41.]]. وقال مقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ الملة، وهي: الإسلام والتوحيد الذي خلقهم عليه يوم أخذ الميثاق حين قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] فأقروا له بالربوبية والمعرفة [["تفسير مقاتل" 79 أ. ونحوه قال ابن قتيبة، ولفظه: أي: خلقة الله التي خلق الناس عليها؛ وهي أن فطرهم جميعًا على أن يعلموا أن لهم خالقًا ومدبرًا. "غريب القرآن" ص 341.]]. ونحو هذا قال ابن زيد [[أخرجه ابن جرير 21/ 40.]]. واختاره الزجاج. فذكره [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 184. قال ابن كثير 6/ 314: "فإن الله تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره .. وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية".]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية، ويشكل هذا بأن يقال: الفطرة ابتداء الخلق، ولو كان الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم على ملة الإسلام والتوحيد ما أشرك أحد ولا كفر أحد مع قيام الدليل بأن الله خلق أقوامًا للنار [[لعل الواحدي يشير بذلك إلى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: دعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء، ولم يدركه، قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". أخرجه مسلم 4/ 2050 في القدر (2662).]]، وهم لم يخلقوا على الإسلام والتوحيد وهو قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية [الأعراف: 179] والخبر قد ورد بتفصيل الفريقين يوم أخذ الميثاق حين أخرج الله تعالى من صلب آدم ذريته، بعضها سودًا وبعضها بيضًا، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار [[أخذ الميثاق على ذرية آدم -عليه السلام-، ثابت في حديث أنس -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ-: (إن الله يقول لأِهون أهل النار عذابا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك). متفق عليه، البخاري، كتاب الأنبياء، رقم (3334)، "فتح الباري" 6/ 363، ومسلم 4/ 2160، كتاب صفات المنافقين، رقم (2805). ومن ذلك أيضًا حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم فأخرج من صلبه ذرية ذراها فنثرهم نثرًا بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. أخرجه الحاكم 1/ 80، كتاب: الإيمان، رقم (75)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر، ووافقه الذهبي. وأخرجه من الطريق نفسه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (89). ورجح ابن كثير 3/ 502، وقف هذا الحديث على ابن عباس. وحسن رفعه الألباني، "السلسلة الصحيحة" 4/ 158، رقم (1623)، لكونه واردًا في تفسير القرآن فيأخذ حكم الرفع، ولوروده من طرق أخرى مرفوعًا، وإن كان فيها ضعفٌ. والأول غير مسلم؛ إذ إن الروايات الإسرائيلية في التفسير قد تصح إسنادًا إلى بعض الصحابة، ومصدرها الأخذ عن بني إسرائيل؛ فهل يُجزم بأخذها حكم المرفوع. والله أعلم. هذا ما يتعلق بأصل أخذ الميثاق وثبوته، أما ما ذكره الواحدي من تفصيلهم إلى فريقين، سود وبيض، فقد ورد ذكر ذلك في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي ثنا هيثم وسمعته أنا منه قال ثنا أبو الربيع عن يونس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، قال: "خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذَّر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحَمَم، فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي، وقال == للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أبالي". "المسند" 10/ 417، رقم (27558). وصححه الألباني؛ السلسلة الصحيحة رقم (49).]]. وقال رسول الله -ﷺ- في الغلام الذي قتله الخضر: "طبعه والله يوم طبعه كافرًا" [[أخرجه مسلم 4/ 2050، كتاب: القدر، رقم (2661)، ولفظه: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا". وأخرجه الترمذي 5/ 292، كتاب "تفسير القرآن"، رقم (3150).]]. وبيان هذا الإشكال أن يقال: المراد بالناس هاهنا: المؤمنون الذين فطرهم الله على الإسلام يوم أخذ الميثاق؛ لأن المشرك لم يفطر على الإسلام، فلفظ الناس عام والمراد منه الخصوص. هذا وجه قول المفسرين في هذه الآية، وهو اختيار أبي الهيثم؛ قال في هذه الآية: هذه فطرة فُطر عليها المؤمن [[ذكره عن أبي الهيثم الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 326. وما ذهب إليه الواحدي واختاره أبو الهيثم في دفع الإشكال في الجمع بين الآية والحديث غير وجيه؛ والصواب أن لفظ الناس في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ باقٍ على عمومه لم يدخله التخصيص، يشهد لذلك آية سورة الأعراف: 172 ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ..﴾ فلم يُستثن من الذرية أحد، وعليه فحديث: كل مولود يولد على الفطرة، يدل على أن المولود ولد على الفطرة سليمًا، وولد على أن هذه الفطرة السليمة يغيرها الأبوان كما قدَّر الله تعالى ذلك وكتبه، كما مثل النبي -ﷺ- ذلك بقوله في آخر الحديث: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يُجدعها الناس؛ وذلك بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة سليمًا ثم يفسده أبواه؛ وذلك أيضًا بقضاء الله وقدره "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 361. وأما حديث الغلام الذي قتله الخضر فقول النبي -ﷺ- فيه: "طبع يوم طبع كافرًا" معناه: طُبع في الكتاب أيَ قُدَّر وقُضي لا أنه كان كفره موجودًا قبل أن يولد فهو == مولود على الفطرة السليمة، وعلى أنه بعد ذلك يتغير فيكفر، كما طُبع كتابه يوم طُبع. ومن ظن أن المراد به الطبع على قلبه، وهو الطبع المذكور على قلوب الكفار، فهو غالط؛ فإن ذلك لا يُقال فحِه: طُبع يوم طُبع إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عياض بن حمار عن النبي -ﷺ- فيما يروي عن ربه تعالى أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا". وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك. وكذلك في حديث الأسود بن سَرِيع الذي رواه أحمد وغيره قال بعث النبي -ﷺ- سرية، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي -ﷺ-: "ما حملكم على قتل الذرية؟ " قالوا: يا رسول الله أليسوا أولاد المشركين؟ قال: "أو ليس خياركم أولاد المشركين"، ثم قام النبي -ﷺ-، خطيبًا فقال: "ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه". فخطبته لهم بهذا الحديث عقب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: أو ليس خياركم أولاد المشركين، يبين أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ثم الكفر طرأ بعد ذلك، ولو كان أراد أن المولود حين يولد يكون إما كافرًا وإما مسلمًا على ما سبق له القدر لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده -ﷺ- من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 362. وحديث الأسود بن سَرِيع أخرجه الإمام أحمد 24/ 354، رقم (15588)، ط/ الرسالة، وقال محققو المسند: رجاله ثقات رجال الشيخين، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سَرِيع. وأخرج الحديث الحاكم 2/ 133، رقم (2566)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال الذهبي: تابعه يونس عن الحسن حدثنا الأسود بن سريع بهذا على شرط البخاري ومسلم. وأخرجه البيهقي، السنن الكبرى 9/ 130، قال البيهقي: قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه: "هي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق فجعلهم ما لم يفصحوا بالقول لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم لهم بآبائهم".]]. وذهب إسحاق [[هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ صرح بذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 328 (فطر).]] في هذه الآية، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -ﷺ- قال: "كل مولود يولد على الفطرة" الحديث [[متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (1359)، "فتح الباري" 3/ 219، ومسلم 4/ 2047، كتاب: القدر، رقم (2658).]]، مذهبًا حسنًا؛ وهو أنه قال: الفطرة: الخلقة التي خلقهم عليها، إما الجنة أو النار، حين أخرج من صلب آدم كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء للنار، فيقول: كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه، يقول: بالأبوين يتبين لكم ما تحتاجون إليه في أحكامكم من المواريث وغيرها. يقول: إذا كان الأبوان مؤمنين فاحكموا لولدهما بحكم الإيمان، وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر، وأما خلقته التي خُلق عليها فلا علم لكم بذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ أي: من الشقاوة والسعادة. والدليل على هذا قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لا تبديل لما خلقهم له من جنة أو نار [[ذكر قول إسحاق: الأزهري، "تهذيب اللغة" 13/ 329 (فطر).]]. وقال الأزهري: والقول قول أبي إسحاق [[هكذا في النسختين: أبي إسحاق؛ والصواب: إسحاق، كما في "تهذيب اللغة" 13/ 329.]] في تفسير الآية، ومعنى الحديث [[الصواب القول الأول الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين؛ وهو أن الفطرة المراد بها: الإسلام، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله؛ قال ابن عبد البر: "وقال آخرون: الفطرة هاهنا: الإسلام؛ قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف أهل التأويل، وقد أجمعوا في تأويل قوله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وذكروا == عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قول الله -عز وجل-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ قالوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ دين الله الإسلام ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قالوا لدين الله". نقله عنه شيخ الإسلام، "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 367. ويدل لذلك ما أخرجه ابن جرير 21/ 41، عن ابن عباس أنه سئل عن إخصاء البهائم فكرهه؛ وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ وعن عكرمة ومجاهد كذلك. قال شيخ الإسلام: "لا منافاة بينهما كما قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] فتغيير ما خلق الله عليه عباده من الدين تغيير لخلقه، والخِصاءُ وقطع الأُذن أيضًا تغيير لخلقه، ولهذا شبه النبي -ﷺ-، أحدهما بالآخر في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" فأولئك يغيرون الدين، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجَدْع والخِصاء، هذا تغيير لما خُلقت عليه نفسه، وهذا تغيير ما خُلق عليه بدنه".]]. وعلى هذا القول انتصب: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ على المصدر. وهو قول الأخفش قال: كأنه قال: فَطَرَ الله تلك فِطرَةً [["معاني القرآن" 2/ 657.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 324، ولفظه: يريد: دينَ الله، منصوب على الفعل.]]. معنى الآية: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ ثم أخبر -عز وجل- أنه خلق الخلق على ما أراد من شقاوة وسعادة، ولا تبديل لذلك. وفيه إشارة إلى أن الكفار الذين سبق ذكرهم خُلقوا للنار، وأن النبي -ﷺ- والمؤمنين خلقوا للجنة؛ لأن قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ خطاب له وللمؤمنين، يدل عليه قوله بعد هذا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ بلفظ الجمع، وإن قلنا: إن ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ يعني: دين الله التوحيد، على ما ذكر المفسرون فانتصابها يكون بالإغراء، وهو قول الزجاج، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب، بمعنى: اتبع فطرة الله؛ لأن معنى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ اتبع الدين القيم، اتبع فطرة الله. قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قد ذكرنا معناه: لا تبديل لما خلقهم له. وقال مجاهد وإبراهيم: الدين: الإسلام، و ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، عن قتادة وقال عبد الرزاق: وقال معمر: كان الحسن يقول: فطرة الله الإسلام. وأخرجه ابن جرير 21/ 41، عن مجاهد، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وإبراهيم النخعي. وصحح إسناد ابن جرير إلى مجاهد شيخ الإسلام ابن تيمية. "درء تعارض العقل والنقل" 8/ 374. وبوَّب البخاري في "صحيحه" فقال: باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله. "فتح الباري" 8/ 512.]]. وعلى هذا المراد بلفظ النفي: النهي، أي: لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك والكفر. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ قال مقاتل: يعني التوحيد هو الدين المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 79 أ.]].