الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الآية، روى قتادة عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي هدية الرجل يهدي الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله، لا يؤجر فيه صاحبه، ولا إثم عليه فيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 103، وأخرجه ابن جرير 21/ 84، عن ابن عباس من طريق قتادة. وأخرجه ابن جرير 21/ 46، من طريق محمد بن سعد بإسناده عن ابن عباس. وهو قول مقاتل 79 ب.]]. وعن مجاهد قال: هي الهدايا [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]]. وروى ابن أبي روَّاد عنه قال: هو الربا الحلال؛ يهدي الرجل الشيء ليُهدَى له أفضل منه، فهو حلال ليس فيه إثم ولا أجر [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، عن الضحاك بن مزاحم، من طريق عبد العزيز بن أبي رواد. - عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم، واسم أبيه: ميمون، حدث عن سالم بن عبد الله، والضحاك بن مزاحم، وعكرمة، ونافع، وغيرهم، وحدث عنه: يحيى القطان، وعبد الرزاق، وابن المبارك، وغيرهم، صدوق عابد، وربما وهم، ورمي بالإرجاء، ت: 159 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 184، و"تقريب التهذيب" ص 612.]]. وقوله: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] نزلت في النبي -ﷺ- خاصة، نُهي أن يُهدِي هدية فيُهدَى له أفضل منها، وحَرُم ذلك عليه خاصة [[تفسير ابن جرير 21/ 46، ولم ينسبه. وقد كُتب في "تفسير ابن جرير" بعد قول الضحاك مفصولًا عنه، فلعله من قول الضحاك، وفصْله عنه خطأٌ، وقد أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 495، من كلام الضحاك، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره عن الضحاك الثعلبي 8/ 169 أ. ذكر ابن كثير 8/ 264، في آية المدثر أربعة أقوال، استظهر منها القول الذي اقتصر عليه الواحدي.]]. وقال السدي: الربا في هذا الموضع: الهدية يهديها الرجل لأخيه، طلبَ المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه. وقال سعيد بن جبير: هذا في الرجل يُعطِي ليثابَ عليه [[أخرجه ابن جرير 21/ 46.]]. هذا قول المفسرين في هذه الآية. وشرحها أهل المعاني؛ فقال أبو إسحاق: يعني به: دفعُ الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكثر منه، فذلك ليس بحرام، ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه.]]. وقال أبو علي الفارسي: ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ يحتمل تقديرين؛ يجوز أن تكون للجزاء [[أي: اسم شرط جازم.]]، ويجوز أن تكون موصولة؛ فإن قدرتها جزاء كانت في موضع نصب بـ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ في موضع جزم بأنه جواب للجزاء، ويقوي هذا الوجه: قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ألا ترى أنه لو كان مبتدأً لعاد عليه ذكرٌ، وإن جعلتها موصولة كان موضع ﴿مَا﴾ رفعًا بالابتداء، و ﴿آتَيْتُمْ﴾ صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من ﴿آتَيْتُمْ﴾ [[يعني بالذكر المحذوف هنا: الضمير الواقع مفعولًا في قوله تعالى: ﴿آتَيْتُمْ﴾ والتقدير: الذي آتيتموه، وسر تسميته بالذكر المحذوف -فيما يظهر- أن المقدر هنا كالمذكور سواء بسواء.]] وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ في موضع رفع بأنه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حد بما دخلت في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. وقوله: ﴿آتَيْتُمْ﴾ أكثر القراء قرأ: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد [[قرأ ابن كثير: ﴿أَتَيْتُمْ﴾ مقصورة، والباقون: ﴿آتَيْتُمْ﴾ بالمد، في قوله تعالي: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ فلم يختلفوا في مدها. "السبعة في القراءات" ص 507، "والحجة للقراء السبعة" 5/ 446، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]، [[يوجد هنا سقط في النسختين؛ ولا يتم المعنى بدونه، وتمام الكلام كما هو عند أبي علي في "الحجة" 5/ 446: "وأما قصر ابن كثير فإنه يؤول في المعنى إلى قول من مد .. ".]] إلى قول: من مد كأنه قيل: ما جئتم من ربًا، ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء له كما قال [[في "الحجة" 5/ 446: كما تقول.]]: أتيت الخطأَ، وأتيت الصوابَ، وأتيت قبيحًا، قال الشاعر: أتيتُ الذي يأتي السفيه لِغرتي ... إلى أن علا وَخْطٌ من الشيبِ مَفْرِقي فإتيانه الذي يأتي السفيه إنما هو فعل منه له [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 446، وأنشد البيت كاملًا، ولم ينسبه. الغِزُّ: الصغير الذي لم يجرب الأمور، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي. "تهذيب اللغة" 16/ 71 (غرر). والمفرق: وسط الرأس. "لسان العرب" 10/ 301 (فرق).]]. وقوله: ﴿مِنْ رِبًا﴾ على ضربين؛ أحدهما: متوعد عليه محرم بقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] والآخرُ غير محرم: وهو أن يُهدِي شيئًا، أو يهبه فيستثيب أكثر منه. وسمي بهذا المدفوع على وجه اجتلاب الزيادة: ربًا، لَمَّا كان الغرض فيه الاستزادة على ما أَعطى، فسمي باسم الزيادة، لمكان الزيادة المقصودة في المكافأة، والربا هو: الزيادة، فبذلك سُمِّي المحرم ربًا، لزيادة ما يأخذ على ما دَفع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، بتصرف. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 187، بمعناه، وهذا من الاستطراد لبيان معنى الآية، لأن الربا المحرم لا يدخل في هذه الآية، وليس هو المراد منها، بدليل ما نقله الواحدي عن السلف في ذلك، فلم يُنقل عنهم -والله أعلم- أن الربا المحرم معني بهذه الآية، إذ لو أريد ذلك لكان في القطع بتحريمه من خلال هذه الآية نظرة فالآية ليس فيها تحريمٌ، بل فيها إخبار عن فقد الأجر والثواب لمن فعل هذا الفعل، وهذا كما سبق في قول ابن عباس: ليس فيه أجر ولا وزر. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ فاعل (يَرْبُوَا) الربا المذكور في قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ وقُدِّر المضاف فحذفه، كأنه: في اجتلاب أموال الناس، أو اجتذابه، ونحو ذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 447، ولفظه: "وقدر المضاف وحذف كأنه: اجتلاب أموال الناس، واجتذابها، ونحو ذلك".]]. وقرأ نافع: (لِتُربوا) بالتاء وضمها [[قرأ نافع: ﴿لِتُربوْا﴾ بضم التاء، ساكنة الواو، وقرأ الباقون: ﴿لِيَربوَا﴾ بالياء، مفتوحة الواو. "السبعة في القراءات" ص 507، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 447. و"إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 196، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344. وقد ضبط محقق كتاب "الحجة" قراءة نافع هكذا. ﴿لِترْبُوَ﴾ وقال بعدها: بالتاء ساكنة الواو. وهذا خطأ من وجهين؛ الأول: قراءة نافع بالتاء مضمومة، وليست مفتوحة كما ضبطها المحقق في ص 448، الثاني: الواو في قراءة نافع: ساكنة، وليست مفتوحة، مع أن المحقق قد أحال في الحاشية على كتاب "السبعة".]]، أي: لتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس بما آتيتم، أي: تستدعونها وتجلبونها، وكأنه من: أربى إذا صار ذا زيادة، مثل: أقطف وأجدب [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 448، وفيه: أقطف وأجرب، بدل: أجدب. وكلاهما صحيح؛ يعني: صار ذا جدب، أو صار ذا جرب. في "تهذيب اللغة" 16/ 282 (قطف): أقطف الرجل؛ إذا كانت دابته قَطُوفًا، والقِطاف مصدر القَطوف من الدواب؛ وهو المقارب الخَطو، البطيء.]]. وقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لأنكم إنما قصدتم إلى زيادة العِوض، ولم تقصدوا وجه البر والقربة، ولو قصدتم به وجه الله لكان كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وفي (مَا) هذه الوجهان ذكرناهما في (مَا) في أول الآية؛ فإن جعلتها: الموصولة فهي في موضع رفع، و (ءَاتَيْتُم) صلة، والراجع إلى الموصول محذوف، على تقدير: آتيتموه. قال: (وَمَاءَاتَيْتُم) ثم قال: (فَأُولَئِكَ) فانتقل من الخطاب إلى الغيبة [["المسائل الحلبيات" ص 85.]]، كما جاء في ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] [[ذكر هذا ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص 289.]]. والفاء دخلت على: (فَأُولَئِكَ) لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ﴾ ويقدر راجعًا محذوفًا، التقدير: فأنتم المضعفون به. أي: ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حد ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم [[ساق هذا المثال للتدليل على حذف العائد المجرور، وتقديره: السمن منوان منه بدرهم، فحذف منه لدلالة السياق عيه، كما قدر في الآية: فأنتم المضعفون به. والله أعلم. والمَنَّ: معيار قديم يكال به أو يوزن. "لسان العرب" 13/ 418 (منن)، و"المعجم الوسيط" 2/ 888.]]. هذا كله كلام أبي علي ذكره في مواضع متفرقة، فرددت كلًا إلى موضعه. قال أبو إسحاق: وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: فأهلها يضاعف لهم الثواب؛ يُعطون بالحسنة عشر أمثالها. وقيل ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ كما يقال رجل مقوٍ؛ أي: صاحب قوة، وموسر، أي: صاحب يسار، وكذلك: مُضعف، ذو أضعاف من الحسنات [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 188.]]. قال مقاتل: ثم ذكر ما أصاب الناس من ترك التوحيد في قوله تعالى: