الباحث القرآني

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر وقلة النبات [["تفسير مقاتل" 79 ب.]]. قال أبو علي: الفساد جاء في القرآن على ضربين؛ فساد معاقب عليه، وهو كثير [[مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12]. وقد ورد الفساد بهذا المعنى في أكثر من خمسة وأربعين موضعًا في القرآن الكريم. انظر الآيات في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 518 (فسد).]]. وفساد على غير ذلك؛ بمعنى: الجدْب [[من أمثلته قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]، وهو بهذا المعنى قليل لم أجده إلا في أربعة مواضع؛ البقرة: 251، الأنبياء: 22، المؤمنون: 71، وآية الروم هذه. والله أعلم.]]، وهو المراد في هذه الآية، وهذا كما قلنا في: الحسنة والسيئة؛ وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: 95] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: "قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يحسن عليه أثره. ثم ذكر قول أبي علي الذي ذكره هنا، ثم قال: والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة، وبالرخاء تارة".]]. وقوله: ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: يعني: حيث لا يجري نهر، وهو لأهل العمود والبحر، ونقصُ الثمار في الريف؛ يعني: القرى تجري [[(تجري): مكررة مرتين في (ب).]] فيها الأنهار [[كتاب "الشعر" لأبي علي 2/ 457، بتصرف. قال مقاتل 79 ب: ثم أخبرهم أن قحط المطر في البر ونقص الثمار في الريف حيث تجري فيها الأنهار إنما أصابهم بترك التوحيد، فقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يعني: قحط المطر، وقلة النبات حيث لا تجري فيها الأنهار لأهل العمود، ثم ظهر الفساد يعني: قحط المطر، ونقص الثمار في البحر، يعني: الريف، يعني: القرى التي تجري فيها الأنهار. قال الليث: يقال لأهل الأخبية الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد. كتاب "العين" 2/ 57 (عمد) ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" 2/ 251.]]. قال ابن عباس في رواية عكرمة: أما البحر فما كان من المدائن والقرى على شاطئ نهر، وأما البر: فالبرية التي ليس عندها نهر [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 496، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال السدي: الفساد: القحط. والبر: كلُّ قرية من قرى العرب نائيةٍ عن البحر، مثل: المدينة ومكة. [قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).]] وأما البحر: فكلُّ قريةٍ مثلُ: البصرة والكوفة والشام [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقال عكرمة: أما إني لا أقول: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء، قال: والعرب تسمي الأمصار: بحرًا [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]]. وقال فضيل بن مرزوق: قلت لعطية في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} هذا البر، فالبحر أي فساد فيه؟ قال: يقال إذا قلَّ المطر قلَّ الغوص [[أخرجه ابن جرير 21/ 49. فضيل بن مرزوق الأغر، الرَّقاشي، الكوفي، أبو عبد الرحمن، صدوق يهم، ورمي بالتشيع، حدث عن عدي بن ثابت، وعطية العوفي، وشقيق بن عقبة، وغيرهم، وحدث عنه وكيع، وأبو نُعيم، وعلي بن الجعد، وغيرهم. روى له مسلم في المتابعات، ت: 160 هـ. "سير أعلام النبلاء" 7/ 342، و"تقريب التهذيب" 786.]]. يعني: أن البحر إذا أمطر تفتح الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ [[ذكره الثعلبي 8/ 169 ب، عن ابن عباس.]]. وعلى هذا المراد بالبحر: بحر الماء لا القرى. والقول هو الأول [[يعني أن المراد بالبحر: القرى التي على شاطىء البحر، وهذا القول وإن كان له وجه، لكن إجراء الآية على ظاهرها حيث لا يمنع من ذلك شيء أولى. ولعل الذي حمل الواحدي على ترجيح هذا القول تفسيره الفساد في الآية بالجدب والقحط، وهو غير مُتصور في البحر. وسيأتي توضيح القول الصحيح إن شاء الله تعالى.]]. قوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: من المعاصي [[ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 497، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. يعني: كفار مكة ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ الله بالجوع في السنين السبع [[المراد بذلك ما ورد في الحديث الصحيح في دعاء النبي -ﷺ- على أهل مكة بسنين كسني يوسف، -عليه السلام-، وقد سبق ذكره وتخريجه في تفسير الآية: 93، من سورة النمل.]] ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أي: جزاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان [["تفسير مقاتل" 79 ب، بنصه.]]. هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. وذُكر في تفسيرها أقوالٌ لا تليق بالآية؛ منها قول قتادة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ فقال: هو الشرك امتلأت الأرض ظلمًا وضلالة، قبل أن يبعث الله نبيه [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 104، وابن جرير 21/ 49.]]. قال مجاهد: قَتْلُ ابنِ آدم أخاه في البر، وأخذُ الملِك السفنَ غصبًا في البحر [[أخرجه ابن جرير 21/ 49.]]. قال الحسن: أفسدهما الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يرجع مَنْ بعدهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 49، 50. وأخرج عن ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: الذنوب.]]. وهذه الأقوال مرذولة فاسدة ليست تحسن في تفسير هذه الآية [[كان الأولى بالواحدي أن يبين ضعف هذه الأقوال دون الحاجة لوصفها بهذا الوصف. فعلى القول الذي صححه الواحدي يكون المراد بالفساد: ما أصاب الناس من القحط والجدب. وعلى القول الثاني الذي رده الواحدي، المراد بالفساد: ظهور الشرك والمعاصي في كل مكان، من البر والبحر، وانتشار الظلم، وحصول النقص في الخيرات، والحروب، والكوارث، ونحو ذلك كلُه ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس انتشر الشر والظلم والفسق والفجور في البر والبحر. وقد اقتصر على هذا القول ابن جرير 21/ 50، قال: "فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر كما وصفت: ظهرت معاصي الله في كل مكان، من بر وبحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ أي: بذنوب الناس، وانتشر الظلم فيهما". وقد تأول ابن جرير هذا القول من أقوال قتادة، ومجاهد، والحسن، التي وصفها الواحدي بأنها: أقوال مرذولة!؛ والصواب أنها أقوال مناسبة لسياق الآية، ولظاهرها كما يدل عليه تمثيل مجاهد للفساد في البحر: بأخذ السفن غصبا، وهذا هو مقتضى الحكمة، والقول الذي == اختاره الواحدي محمول على التمثيل للفساد بالجدب والقحط، لا على أنه هو المقصود وحده حتى يتأول البحر بالقرى المحيطة به، وينبني على القول الذي اختاره الواحدي أن الذنوب والمعاصي كلما زادت قل المطر وانتشر الجدب والقحط، وهذا غير مسلم؛ لأن الله تعالى أخبرنا في كتابه الكريم أنه لا يمنع الناسَ الرزقَ بسبب كفرهم، بل قد يمدهم بالرزق والنعم استدراجًا، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55، 56] وأخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الناس بذنوبهم لهلكوا ولم يبق منهم أحد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: 45] حتى الدواب تهلك تبعًا لهلاك بني آدم، بسبب ذنوب بني آدم، ولا يُعترض على هذا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96] فالآية في زيادة الخير والرزق لمن حقق الإيمان والتقوى، بل إن من حكمة الله تضييق الرزق على الأنبياء وأتباعهم، تعظيمًا لأجرهم في الآخرة كما لا يخفى، وخلاصة ذلك أن اعتراض الواحدي ورده لهذه الأقوال لم يبين دليله عليه، مع أن القول الذي رده ظاهر جدًا من سياق الآية، وعليه فيحمل الفساد على ما يظهر في البر والبحر من الكفر والظلم والطغيان، وما يلحق الناس بسبب ذلك من نقص المطر وحصول القحط والجدب، والعذاب بالزلازل والخسف والغرق، والحروب، والسلب والنهب، والخوف وغيره من أنواع الفساد الذي ينتشر بسبب ذنوب الناس؛ من الشرك وغيره، ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. والله تعالى أعلم.]].